تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 153

مساهمون:

ص١٥٣
إن المنذر كاذب ، فقال تعالى : لم يكذب المنذر ، بل هم كذبوا ، فإن قيل : ما الحق ؟ نقول يحتمل وجوهاً الأول : البرهان القائم على صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم الثاني : الفرقان المنزل وهو قريب من الأول ، لأنه برهان الثالث : النبوة الثابتة بالمعجزة القاهرة فإنها حق الرابع : الحشر الذي لا بد من وقوعه فهو حق ، فإن قيل بين لنا معنى الباء في قوله تعالى : * ( بالحق ) * وأية حاجة إليها ، يعني أن التكذيب متعد بنفسه ، فهل هي للتعدية إلى مفعول ثان أو هي زائدة ، كما في قوله تعالى : * ( فستبصر ويبصرون بأييّكم المفتون ) * ؟ ( القلم : 5 ، 6 ) نقول فيه بحث وتحقيق ، وهي في هذا الموضع لإظهار معنى التعدية ، وذلك لأن التكذيب هو النسبة إلى الكذب ، لكن النسبة تارة توجد في القائل ، وأخرى في القول ، تقول : كذبني فلان وكنت صادقاً ، وتقول : كذب فلان قول فلان ، ويقال كذبه ، أي جعله كاذباً ، وتقول : قلت لفلان زيد يجيء غداً ، فتأخر عمداً حتى كذبني وكذب قولي ، والتكذيب في القائل يستعمل بالباء وبدونها ، قال تعالى : * ( كذبت ثمود المرسلين ) * ( الشعراء : 141 ) وقال تعالى : * ( كذبت ثمود بالنذر ) * ( القمر : 23 ) وفي القول كذلك غير أن الاستعمال في القائل بدون الباء أكثر ، قال تعالى : * ( فكذبوه ) * ( الأعراف : 64 ) وقال : * ( وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك ) * ( فاطر : 4 ) إلى غير ذلك ، وفي القول الاستعمال بالباء أكثر ، قال الله تعالى : * ( كذبوا بآياتنا كلها ) * ( القمر : 42 ) وقال : * ( بل كذبوا بالحق ) * وقال تعالى : * ( وكذب بالصدق إذ جاءه ) * ( الزمر : 32 ) والتحقيق فيه هو أن المفعول المطلق هو المصدر ، لأنه هو الذي يصدر من الفاعل ، فإن من ضرب لم يصدر منه غير الضرب ، غير أن له محلاً يقع فيه فيسمى مضروباً ، ثم إذا كان ظاهراً لكونه محلاً للفعل يستغني بظهوره عن الحرف فيعدى من غير حرف ، يقال ضربت عمراً ، وشربت خمراً ، للعلم بأن الضرب لا بد له من محل يقوم به ، والشرب لا يستغني عن مشروب يتحقق فيه ، وإذا قلت مررت يحتاج إلى الحرف ، ليظهر معنى التعدية لعدم ظهوره في نفسه ، لأن من قال : مر السحاب يفهم منه مرور ولا يفهم منه من مر به ، ثم إن الفعل قد يكون في الظهور دون الضرب والشرب ، وفي الخفاء دون المرور ، فيجوز الإتيان فيه بدون الحرف لظهوره الذي فوق ظهور المرور ، ومع الحرف لكون الظهور دون ظهور الضرب ، ولهذا لا يجوز أن تقول : ضربت بعمرو ، إلا إذا جعلته آلة الضرب . أما إذا ضربته بسوط أو غيره ، فلا يجوز فيه زيادة الباء ، ولا يجوز مروا به إلا مع الاشتراك ، وتقول مسحته ومسحت به وشكرته وشكرت له ، لأن المسح إمرار اليد بالشيء فصار كالمرور ، والشكر فعل جميل غير أنه يقع بمحسن ، فالأصل في الشكر ، الفعل الجميل ، وكونه واقعاً بغيره كالبيع بخلاف الضرب ، فإنه إمساس جسم بجسم بعنف ، فالمضروب داخل في مفهوم الضرب أولاً ، والمشكور داخل في مفهوم الشكر ثانياً ، إذا عرفت هذا فالتكذيب في القائل ظاهر لأنه هو الذي يصدق أو يكذب ، وفي القول غير ظاهر فكان الاستعمال فيه بالباء أكثر والباء فيه لظهور معنى التعدية .