تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 152

مساهمون:

ص١٥٢
كان متعدياً ، والرجوع مصدره إذا كان لازماً ، وكذلك الرجعي مصدر عند لزومه ، والرجع أيضاً يصح مصدراً للازم ، فيحتمل أن يكون المراد بقوله * ( ذلك رجع بعيد ) * أي رجوع بعيد ، ويحتمل أن يكون المراد الرجع المتعدي ، ويدل على الأول قوله تعالى : * ( إن إلى ربك الرجعي ) * ( العلق : 8 ) وعلى الثاني قوله تعالى : * ( أئنا لمردودون ) * ( النازعات : 10 ) أي مرجعون فإنه من الرجع المتعدي ، فإن قلنا هو من المتعدي ، فقد أنكروا كونه مقدوراً في نفسه . ثم إن الله تعالى * ( قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ الاَْرْضَ مِنْهُمْ وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ ) * . إشارة إلى دليل جواز البعث وقدرته تعالى عليه ، وذلك لأن الله تعالى بجميع أجزاء كل واحد من الموتى لا يشتبه عليه جزء أحد على الآخر ، وقادر على الجمع والتأليف ، فليس الرجوع منه ببعد ، وهذا كقوله تعالى : * ( وهو الخلاق العليم ) * ( يس : 11 ) حيث جعل للعلم مدخلاً في الإعادة ، وقوله * ( قد علمنا ما تنقص الأرض ) * يعني لا تخفى علينا أجزاؤهم بسبب تشتتها في تخوم الأرضين ، وهذا جواب لما كانوا يقولون * ( أئذا ضللنا في الأرض ) * ( السجدة : 10 ) يعني أن ذلك إشارة إلى أنه تعالى كما يعلم أجزاؤهم يعلم أعمالهم من ظلمهم ، وتعديهم بما كانوا يقولون وبما كانوا يعملون ، ويحتمل أن يقال معنى قوله تعالى : * ( وعندنا كتاب حفيظ ) * هو أنه عالم بتفاصيل الأشياء ، وذلك لأن العلم إجمالي وتفصيلي ، فالإجمالي كما يكون عند الإنسان الذي يحفظ كتاباً ويفهمه ، ويعلم أنه إذا سئل عن أية مسألة تكون في الكتاب يحضر عنده الجواب ، ولكن ذلك لا يكون نصب عينيه حرفاً بحرف ، ولا يخطر بباله في حالة باباً باباً ، أو فصلاً فصلاً ، ولكن عند العرض على الذهن لا يحتاج إلى تجديد فكر وتحديد نظر ، والتفصيلي مثل الذي يعبر عن الأشياء ، والكتاب الذي كتب فيه تلك المسائل ، وهذا لا يوجد عند الإنسان إلا في مسألة أو مسألتين . أما بالنسبة إلى كتاب فلا يقال : * ( وعندنا كتاب حفيظ ) * يعني العلم عندي كما يكون في الكتاب أعلم جزءاً جزءاً وشيئاً شيئاً ، والحفيظ يحتمل أن يكون بمعنى المحفوظ ، أي محفوظ من التغيير والتبديل ، ويحتمل أن يكون بمعنى الحافظ ، أي حافظ أجزاءهم وأعمالهم بحيث لا ينسى شيئاً منها ، والثاني هو الأصح لوجهين أحدهما : أن الحفيظ بمعنى الحافظ وارد في القرآن ، قال تعالى : * ( وما أنا عليكم بحفيظ ) * ( الأنعام : 104 ) وقال تعالى : * ( والله حفيظ عليهم ) * ولأن الكتاب على ما ذكرنا للتمثيل فهو يحفظ الأشياء ، وهو مستغن عن أن يحفظ . * ( بَلْ كَذَّبُواْ باِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ فَهُمْ فِى أَمْرٍ مَّرِيجٍ ) * . وقوله تعالى : * ( بل كذبوا بالحق ) * . رد عليهم ، فإن قيل ما المضروب عنه ، نقول فيه وجهان أحدهما : تقديره لم يكذب المنذر ، بل كذبوا هم ، وتقديره هو أنه تعالى لما قال عنهم إنهم قالوا * ( هذا شيء عجيب ) * ( ق : 2 ) كان في معنى قولهم :