تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 155

مساهمون:

ص١٥٥
إشارة إلى الدليل الذي يدفع قولهم * ( ذلك رجع بعيد ) * ( ق : 3 ) وهذا كما في قوله تعالى : * ( أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم ) * ( يس : 80 ) وقوله تعالى : * ( لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ) * ( غافر : 57 ) وقوله تعالى : * ( أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى بلى ) * ( الأحقاف : 33 ) وفيه مسائل : المسألة الأولى : همزة الاستفهام تارة تدخل على الكلام ولا واو فيه ، وتارة تدخل عليه وبعدها واو ، فهل بين الحالتين فرق ؟ نقول فرق أدق مما على الفرق ، وهو أن يقول القائل : أزيد في الدار بعد ، وقد طلعت الشمس ؟ يذكره للإنكار ، فإذا قال : أو زيداً في الدار بعد ، وقد طلعت الشمس ؟ يشير بالواو إشارة خفية إلى أن قبح فعله صار بمنزلة فعلين قبيحين ، كأنه يقول بعد ما سمع ممن صدر عن زيد هو في الدار ، أغفل وهو في الدار بعد ، لأن الواو تنبئ عن ضيف أمر مغاير لما بعدها وإن لم يكن هناك سابق لكنه يومئ بالواو إليه زيادة في الإنكار ، فإن قيل قال في موضع * ( أو لم ينظروا ) * ( الأعراف : 185 ) وقال ههنا * ( أفلم ينظروا ) * بالفاء فما الفرق ؟ نقول ههنا سبق منهم إنكار الرجع فقال بحرف التعقيب بمخالفه ، فإن قيل ففي يس سبق ذلك بقوله قال : * ( من يحيي العظام ) * ( يس : 78 ) نقول هناك الاستدلال بالسماوات لما لم يعقب الإنكار على عقيب الإنكار استدل بدليل آخر ، وهو قوله تعالى : * ( قل يحييها الذي أنشأها أول مرة ) * ( يس : 79 ) ثم ذكر الدليل الآخر ، وههنا الدليل كان عقيب الإنكار فذكر بالفاء ، وأما قوله ههنا بلفظ النظر ، وفي الأحقاف بلفظ الرؤية ، ففيه لطيفة وهي أنهم ههنا لما استبعدوا أمر الرجع بقولهم * ( ذلك رجع بعيد ) * استبعد استبعادهم ، وقال : * ( أفلم ينظروا إلى السماء ) * لأن النظر دون الرؤية فكأن النظر كان في حصول العلم بإنكار الرجع ولا حاجة إلى الرؤية ليقع الاستبعاد في مقابلة الاستعباد ، وهناك لم يوجد منهم بإنكار مذكور فأرشدهم إليه بالرؤية التي هي أتم من النظر ، ثم إنه تعالى كمل ذلك وجمله بقوله * ( إلى السماء ) * ولم يقل في السماء لأن النظر في الشيء ينبئ عن التأمل والمبالغة والنظر إلى الشيء ينبئ عنه ، لأن إلى للغاية فينتهي النظر عنده في الدخول في معنى الظرف فإذا انتهى النظر إليه ينبغي أن ينفذ فيه حتى يصح معنى الظرفية وقوله تعالى : * ( فوقهم ) * تأكيد آخر أي وهو ظاهر فوق رؤوسهم غير غائب عنهم ، وقوله تعالى : * ( كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج ) * إشارة إلى وجه الدلالة وأولوية الوقوع وهي للرجع ، أما وجه الدلالة فإن الإنسان له أساس هي العظام التي هي كالدعامة وقوى وأنوار كالسمع والبصر فبناء السماء أرفع من أساس البدن ، وزينة السماء أكمل من زينة الإنسان بلحم وشحم . وأما الأولوية فإن السماء ما لها من فروج فتأليفها أشد ، وللإنسان فروج ومسام ، ولا شك أن التأليف الأشد كالنسج الأصفق والتأليف الأضعف كالنسج الأسخف ، والأول أصعب عند الناس وأعجب ، فكيف يستبعدون الأدون مع علمهم بوجود الأعلى من الله تعالى ؟ قالت الفلاسفة الآية دالة على أن السماء لا تقبل الخرق ، وكذلك قالوا في قوله * ( هل ترى من فطور ) * وقوله * ( سبعاً شداداً ) * ( النبأ : 12 ) وتعسفوا فيه لأن
تفسير الرازي — صفحة 155 | فخر الدين الرازي