تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 156

مساهمون:

ص١٥٦
قوله تعالى : * ( ما لها من فروج ) * صريح في عدم ذلك ، والإخبار عن عدم الشيء لا يكون إخباراً عن عدم إمكانه فإن من قال : ما لفلان قال ؟ لا يدل على نفي إمكانه ، ثم إنه تعالى بيّن خلاف قولهم بقوله * ( وإذا السماء فرجت ) * ( المرسلات : 9 ) وقال : * ( إذا السماء انفطرت ) * ( الانفطار : 1 ) وقال : * ( فهي يومئذ واهية ) * ( الحاقة : 16 ) في مقابلة قوله * ( سبعاً شداداً ) * وقال : * ( فإذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان ) * ( الرحمن : 37 ) إلى غير ذلك والكل في الرد عليهم صريح وما ذكروه في الدلالة ليس بظاهر ، بل وليس له دلالة خفية أيضاً ، وأما دليلهم المعقول فأضعف وأسخف من تمسكهم بالمنقول . قوله تعالى * ( وَالاَْرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِىَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ) * . إشارة إلى دليل آخر ووجه دلالة الأرض هو أنهم قالوا : الإنسان إذا مات وفارقته القوة الغاذية والنامية لا تعود إليه تلك القوة ، فنقول الأرض أشد جموداً وأكثر خموداً والله تعالى ينبت فيها أنواع النبات وينمو ويزيد ، فكذلك الإنسان تعود إليه الحياة وذكر في الأرض ثلاثة أمور كما ذكر في السماء ثلاثة أمور في الأرض المد وإلقاء الرواسي والإنبات فيها ، وفي السماء البناء والتزيين وسد الفروج ، وكل واحد في مقابلة واحد فالمد في مقابلة البناء ، لأن المد وضع والبناء رفع ، والرواسي في الأرض ثابتة والكواكب في السماء مركوزة مزينة لها والإنبات في الأرض شقها كما قال تعالى : * ( أنا صببنا الماء صباً * ثم شققنا الأرض شقاً ) * ( عبس : 25 ، 26 ) وهو على خلاف سد الفروج وإعدامها ، وإذا علمت هذا ففي الإنسان أشياء موضوعة وأشياء مرفوعة وأشياء ثابتة كالأنف والأذن وأشياء متحركة كالمقلة واللسان ، وأشياء مسدودة الفروج كدور الرأس والأغشية المنسوجة نسجاً ضعيفاً كالصفاق ، وأشياء لها فروج وشقوق كالمناخر والصماخ والفم وغيرها ، فالقادر على الأضداد في هذا المهاد ، في السبع الشداد ، غير عاجز عن خلق نظيرها في هذه الأجساد . ( و ) تفسير الرواسي قد ذكرناه في سورة لقمان ، والبهيج الحسن . قوله تعالى * ( تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ ) * . يحتمل أن يكون الأمران عائدين إلى الأمرين المذكورين وهما السماء والأرض ، على أن خلق السماء تبصرة وخلق الأرض ذكرى ، ويدل عليه أن السماء زينتها مستمرة غير مستجدة في كل عام فهي كالشئ المرئي على مرور الزمان ، وأما الأرض فهي كل سنة تأخذ زخرفها فذكر السماء تبصرة والأرض تذكرة ، ويحتمل أن يكون كل واحد من الأمرين موجوداً في كل واحد من الأمرين ، فالسماء تبصرة والأرض كذلك ، والفرق بين التبصرة والتذكرة هو أن فيها آيات
تفسير الرازي — صفحة 156 | فخر الدين الرازي