تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 150

مساهمون:

ص١٥٠
الوزير يعظم فلاناً بل الملك يعظمه ، ولا يحسن أن يقال البواب يعظم فلاناً بل الملك يعظمه لكون البون بينهما بعيداً ، إذ الإضراب للتدرج ، فإذا ترك المتكلم المضرب عنه صريحاً وأتى بحرف الإضراب استفيد منه أمران أحدهما : أنه يشير إلى أمر آخر قبله وثانيهما : أنه يجعل الثاني تفاوتاً عظيماً مثل ما يكون ومما لا يذكر ، وههنا كذلك لأن الشك بعد قيام البرهان بعيد لكن القطع بخلافه في غاية ما يكون من البعد . المبحث الثالث : أن مع الفعل يكون بمثابة ذكر المصدر ، تقول أمرت بأن أقوم وأمرت بالقيام ، وتقول ما كان جوابه إلا أن قال وما كان جوابه إلا قوله كذا وكذا ، وإذا كان كذلك فلم ينزل عن الإتيان بالمصدر حيث جاز أن يقال أمرت أن أقوم من غير حرف الإلصاق ، ولا يجوز أن يقال أمرت القيام بل لا بد من الباء ، ولذلك قالوا أي عجبوا من مجيئه ، نقول * ( أن جاءهم ) * وإن كان في المعنى قائماً مقام المصدر لكنه في الصورة فعل وحرف ، وحروف التعدية كلها حروف جارة والجار لا يدخل على الفعل ، فكان الواجب أن لا يدخل فلا أقل من أن يجوز عدم الدخول ، فجاز أن يقال * ( عجبوا أن جاءهم ) * ولا يجوز عجبوا مجيئهم لعدم المانع من إدخال الحروف عليه . وقوله تعالى : * ( منهم ) * يصلح أن يكون مذكوراً كالمقرر لتعجبهم ، ويصلح أن يكون مذكوراً لإبطال تعجبهم ، أما التقرير فلأنهم كانوا يقولون * ( أبشراً منا واحداً نتبعه ) * ( القمر : 24 ) و * ( قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا ) * ( يس : 15 ) إشارة إلى أنه كيف يجوز اختصاصكم بهذه المنزلة الرفيعة مع اشتراكنا في الحقيقة واللوازم وأما الإبطال فلأنه إذا كان واحداً منهم ويرى بين أظهرهم ، وظهر عليه ما عجز عنه كلهم ومن بعدهم كان يجب عليهم أن يقولوا هذا ليس من عنده ولا من عند أحد من جنسنا ، فهو من عند الله بخلاف ما لو جاءهم واحد من خلاف جنسهم وأتى بما يعجزون عنه ، فإنهم كانوا يقولون نحن لا نقدر لأن لكل نوع خاصية ، فإن خاصية النعامة بلع النار ، والطيور الطير في الهواء ، وابن آدم لا يقدر عليه فإن قيل الإبطال جائز لأن قولهم كان باطلاً ، ولكن تقرير الباطل كيف يجوز ، نقول المبين لبطلان الكلام يجب أن يورده على أبلغ ما يمكن ويذكر فيه كل ما يتوهم أنه دليل عليه ثم يبطله ، فلذلك قال عجبتم بسبب أنه منكم ، وهو في الحقيقة سبب لهذا التعجب ، فإن قيل النبي صلى الله عليه وسلم كان بشيراً ونذيراً والله تعالى في جميع المواضع قدم كونه بشيراً على كونه نذيراً ، فلم لم يذكر : عجبوا أن جاءهم بشير منهم ؟ نقول هو لما لم يتعين للبشارة موضعاً كان في حقهم منذراً لا غير . ثم قال تعالى : * ( فقال الكافرون هذا شيء عجيب ) * . قال الزمخشري هذا تعجب آخر من أمر آخر وهو الحشر الذي أشار إليه بقوله * ( أئذا متنا وكنا تراباً ذلك رجع بعيد ) * ( ق : 3 ) فعجبوا من كونه منذراً من وقوع الحشر ، ويدل عليه النظر في أول