تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 124

مساهمون:

ص١٢٤
متبع للوحي فلم لم يصرح به ؟ نقول بيان نفي الشيء مع بيان دليل النفي أتم من بيانه من غير دليل ، والجملة الشرطية بيان النفي مع بيان دليله فإن قوله ( ليس فيهما آلهة ) لو قال قائل : لم قلت إنه ليس فيهما آلهة يجب أن يذكر الدليل فقال : * ( لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ) * ( الأنبياء : 22 ) فكذلك ههنا لو قال لا يطيعكم ، وقال قائل لم لا يطيع لوجب أن يقال لو أطاعكم لأطاعكم لأجل مصلحتكم ، لكن لا مصلحة لكم فيه لأنكم تعنتون وتأثمون وهو يشق عليه عنتكم ، كما قال تعالى : * ( عزيز عليه ما عنتم ) * ( التوبة : 128 ) فإن طاعتكم لا تفيده شيئاً فلا يطيعكم ، فهذا نفي الطاعة بالدليل وبين نفي الشيء بدليل ونفيه بغير دليل فرق عظيم . المسألة الثالثة : قال * ( في كثير من الأمر ) * ليعلم أنه قد يوافقهم ويفعل بمقتضى مصلحتهم تحقيقاً لفائدة قوله تعالى : * ( وشاورهم في الأمر ) * . المسألة الرابعة : إذا كان المراد بقوله تعالى * ( حبب إليكم الإيمان ) * ، فلا تتوقفوا فلم لم يصرح به ؟ قلنا لما بيناه من الإشارة إلى ظهور الأمر يعني أنتم تعلمون أن اليقين لا يتوقف فيه ، إذ ليس بعده مرتبة حتى يتوقف إلى بلوغ تلك المرتبة لأن من بلغ إلى درجة الظن فإنه يتوقف إلى أن يبلغ درجة اليقين ، فلما كان عدم التوقف في اليقين معلوماً متفقاً عليه لم يقل فلا تتوقفوا بل قال حبب إليكم الإيمان ، أي بينه وزينه بالبرهان اليقيني . المسألة الخامسة : ما المعنى في قوله * ( حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم ) * نقول قوله تعالى : * ( حبب إليكم ) * أي قربه وأدخله في قلوبكم ثم زينه فيها بحيث لا تفارقونه ولا يخرج من قلوبكم ، وهذا لأن من يحب أشياء فقد يمل شيئاً منها إذا حصل عنده وطال لبثه والإيمان كل يوم يزداد حسناً ، ولكن من كانت عبادته أكثر وتحمله لمشاق التكليف أتم ، تكون العبادة والتكاليف عنده ألذ وأكمل ، ولهذا قال في الأول : * ( حبب إليكم ) * وقال ثانياً : * ( وزينه في قلوبكم ) * كأنه قربه إليهم ثم أقامه في قلوبهم . المسألة السادسة : ما الفرق بين الأمور الثلاثة وهي الكفر والفسوق والعصيان ؟ فنقول هذه أمور ثلاثة في مقابلة الإيمان الكامل لأن الإيمان الكامل المزين ، هو أن يجمع التصديق بالجنان والإقرار باللسان والعمل بالأركان أحدها : قوله تعالى : * ( وكره إليكم الكفر ) * وهو التكذيب في مقابلة التصديق بالجنان والفسوق هو الكذب وثانيها : هو ما قبل هذه الآية وهو قوله تعالى : * ( إن جاءكم فاسق بنبأ ) * ( الحجرات : 6 ) سمي من كذب فاسقاً فيكون الكذب فسوقاً ثالثها : ما ذكره بعد هذه الآية ، وهو قوله تعالى : * ( بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ) * ( الحجرات : 11 ) فإنه يدل على أن الفسوق أمر قولي لاقترانه بالاسم ، وسنبين تفسيره إن شاء الله تعالى ورابعها : وجه معقول وهو أن الفسوق هو الخروج عن الطاعة على ما علم في قول القائل : فسقت الرطبة إذا خرجت ، وغير ذلك لأن الفسوق هو الخروج زيد في الاستعمال كونه الخروج عن الطاعة ، لكن الخروج لا يكون