تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 127

مساهمون:

ص١٢٧
في اقتتال الطائفتين أو أشد منهما ، وفيه مسائل : المسألة الأولى : قوله تعالى : * ( وإن ) * إشارة إلى ندرة وقوع القتال بين طوائف المسلمين ، فإن قيل فنحن نرى أكثر الاقتتال بين طوائفهم ؟ نقول قوله تعالى : * ( وإن ) * إشارة إلى أنه ينبغي أن لا يقع إلا نادراً ، غاية ما في الباب أن الأمر على خلاف ما ينبغي ، وكذلك * ( إن جاءكم فاسق بنبأ ) * ( الحجرات : 6 ) إشارة إلى أن مجيء الفاسق بالنبأ ينبغي أن يقع قليلاً ، مع أن مجيء الفاسق بالنبأ كثير ، وقول الفاسق صار عند أولي الأمر أشد قبولاً من قول الصادق الصالح . المسألة الثانية : قال تعالى : * ( وإن طائفتان ) * ولم يقل وإن فرقتان تحقيقاً للمعنى الذي ذكرناه وهو التقليل ، لأن الطائفة دون الفرقة ، ولهذا قال تعالى : * ( فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ) * ( التوبة : 122 ) . المسألة الثالثة : قال تعالى : * ( من المؤمنين ) * ولم يقل منكم ، مع أن الخطاب مع المؤمنين لسبق قوله تعالى : * ( يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ ) * ( الحجرات : 6 ) تنبيهاً على قبح ذلك وتبعيداً لهم عنهم ، كما يقول السيد لعبده : إن رأيت أحداً من غلماني يفعل كذا فامنعه ، فيصير بذلك مانعاً للمخاطب عن ذلك الفعل بالطريق الحسن ، كأنه يقول : أنت حاشاك أن تفعل ذلك ، فإن فعل غيرك فامنعه ، كذلك ههنا قال : * ( وإن طائفتان من المؤمنين ) * ولم يقل منكم لما ذكرنا من التنبيه مع أن المعنى واحد . المسألة الرابعة : قال تعالى : * ( وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ) * ولم يقل : وإن اقتتل طائفتان من المؤمنين ، مع أن كلمة * ( إن ) * اتصالها بالفعل أولى ، وذلك ليكون الابتداء بما يمنع من القتال ، فيتأكد معنى النكرة المدلول عليها بكلمة * ( إن ) * وذلك لأن كونهما طائفتين مؤمنتين يقتضي أن لا يقع القتال منهما ، فإن قيل فلم لم يقل : يا أيها الذين آمنوا إن فاسق جاءكم ، أو إن أحد من الفساق جاءكم ، ليكون الابتداء بما يمنعهم من الإصغاء إلى كلامه ، وهو كونه فاسقاً ؟ نقول المجيء بالنبأ الكاذب يورث كون الإنسان فاسقاً ، أو يزداد بسببه فسقه ، فالمجئ به سبب الفسق فقدمه . وأما الاقتتال فلا يقع سبباً للإيمان أو الزيادة ، فقال : * ( إن جاءكم فاسق ) * أي سواء كان فاسقاً أو لا أو جاءكم بالنبأ فصار فاسقاً به ، ولو قال : وإن أحد من الفساق جاءكم ، كان لا يتناول إلا مشهور الفسق قبل المجيء إذا جاءهم بالنبأ . المسألة الخامسة : قال تعالى : * ( اقتتلوا ) * ولم يقل : يقتتلوا ، لأن صيغة الاستقبال تنبئ عن الدوام والاستمرار ، فيفهم منه أن طائفتين من المؤمنين إن تمادى الاقتتال بينهما فأصلحوا ، وهذا لأن صيغة المستقبل تنبئ عن ذلك ، يقال فلان يتهجد ويصوم . المسألة السادسة : قال : * ( اقتتلوا ) * ولم يقل اقتتلا ، وقال : * ( فأصلحوا بينهما ) * ولم يقل بينهم ، ذلك لأن عند الاقتتال تكون الفتنة قائمة ، وكل أحد برأسه يكون فاعلاً فعلاً ، فقال : * ( اقتتلوا ) * وعند العود إلى الصلح تتفق كلمة كل طائفة ، وإلا لم يكن يتحقق الصلح فقال : * ( بينهما ) * لكون