تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 121

مساهمون:

ص١٢١
تصيبوهم جاهلين وفيه لطيفة ، وهي أن الإصابة تستعمل في السيئة والحسنة ، كما في قوله تعالى : * ( ما أصابك من حسنة فمن الله ) * ( النساء : 79 ) لكن الأكثر أنها تستعمل فيما يسوء ، لكن الظن السوء يذكر معه ، كما في قوله تعالى : * ( وإن تصبهم سيئة ) * ( النساء : 78 ) ثم حقق ذلك بقوله * ( فتصبحوا على ما فعلتم نادمين ) * بياناً لأن الجاهل لا بد من أن يكون على فعله نادماً ، وقوله * ( فتصبحوا ) * معناه تصيروا ، قال النحاة : أصبح يستعمل على ثلاثة أوجه أحدها : بمعنى دخول الرجل في الصباح ، كما يقول القائل : أصبحنا نقضي عليه وثانيها : بمعنى كان الأمر وقت الصباح كذا وكذا ، كما يقول : أصبح اليوم مريضنا خيراً مما كان ، غير أنه تغير ضحوة النهار ، ويريد كونه في الصبح على حاله ، كأنه يقول : كان المريض وقت الصبح خيراً وتغير ضحوة النهار وثالثها : بمعنى صار يقول القائل أصبح زيد غنياً ويريد به صار من غير إرادة وقت دون وقت ، والمراد ههنا هو المعنى الثالث وكذلك أمسى وأضحى ، ولكن لهذا تحقيق وهو أن نقول لا بد في اختلاف الألفاظ من اختلاف المعاني واختلاف الفوائد ، فنقول الصيرورة قد تكون من ابتداء أمر وتدوم ، وقد تكون في آخر بمعنى آل الأمر إليه ، وقد تكون متوسطة . مثال الأول : قول القائل صار الطفل فاهماً أي أخذ فيه وهو في الزيادة . مثال الثاني : قول القائل صار الحق بيناً واجباً أي انتهى حده وأخذ حقه . مثال الثالث : قول القائل صار زيد عالماً وقوياً إذا لم يرد أخذه فيه ، ولا بلوغه نهايته بل كونه متلبساً به متصفاً به ، إذا علمت هذا فأصل استعمال أصبح فيما يصير الشيء آخذاً في وصف ومبتدئاً في أمر ، وأصل أمسى فيما يصير الشيء بالغاً في الوصف نهايته ، وأصل أضحى التوسط لا يقال أهل الاستعمال لا يفرقون بين الأمور ويستعملون الألفاظ الثلاثة بمعنى واحد ، نقول إذا تقاربت المعاني جاز الاستعمال ، وجواز الاستعمال لا ينافي الأصل ، وكثير من الألفاظ أصله مضى واستعمل استعمالاً شائعاً فيما لا يشاركه ، إذا علم هذا فنقول قوله تعالى : * ( فتصبحوا ) * أي فتصيروا آخذين في الندم متلبسين به ثم تستديمونه وكذلك في قوله تعالى : * ( فأصبحتم بنعمته إخواناً ) * أي أخذتم في الأخوة وأنتم فيها زائدون ومستمرون ، وفي الجملة اختار في القرآن هذه اللفظة لأن الأمر المقرون به هذه اللفظة ، إما في الثواب أو في العقاب وكلاهما في الزيادة ، ولا نهاية للأمور الإلهية وقوله تعالى : * ( نادمين ) * الندم هم دائم والنون والدال والميم في تقاليبها لا تنفك عن معنى الدوام ، كما في قول القائل : أدمن في الشرب ومدمن أي أقام ، ومنه المدينة . وقوله تعالى : * ( فتصبحوا على ما فعلتم نادمين ) * فيه فائدتان : إحداهما : تقرير التحذير وتأكيده ، ووجهه هو أنه تعالى لما قال : * ( أن تصيبوا قوماً بجهالة ) * قال بعده وليس ذلك مما لا يلتفت إليه ، ولا يجوز للعاقل أن يقول : هب أني أصبت قوماً فماذا علي ؟ بل عليكم منه الهم الدائم والحزن المقيم ، ومثل هذا الشيء واجب الاحتراز منه .