تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 125

مساهمون:

ص١٢٥
له ظهور بالأمر القلبي ، إذ لا اطلاع على ما في القلوب لأحد إلا لله تعالى ، ولا يظهر بالأفعال لأن الأمر قد يترك إما لنسيان أو سهو ، فلا يعلم حال التارك والمرتكب أنه مخطئ أو متعمد ، وأما الكلام فإنه حصول العلم بما عليه حال المتكلم ، فالدخول في الإيمان والخروج منه يظهر بالكلام فتخصيص الفسوق بالأمر القولي أقرب ، وأما العصيان فترك الأمر وهو بالفعل أليق ، فإذا علم هذا ففيه ترتيب في غاية الحسن ، وهو أنه تعالى كره إليكم الكفر وهو الأمر الأعظم كما قال تعالى : * ( إن الشرك لظلم عظيم ) * ( لقمان : 13 ) . ثم قال تعالى : * ( والفسوق ) * يعني ما يظهر لسانكم أيضاً ، ثم قال : * ( والعصيان ) * وهو دون الكل ولم يترك عليكم الأمر الأدنى وهو العصيان ، وقال بعض الناس الكفر ظاهر والفسوق هو الكبيرة ، والعصيان هو الصغيرة ، وما ذكرناه أقوى . ثم قال تعالى : * ( أولئك هم الراشدون ) * . خطاباً مع النبي صلى الله عليه وسلم وفيه معنى لطيف : وهو أن الله تعالى في أول الأمر قال : * ( واعلموا أن فيكم رسول الله ) * أي هو مرشد لكم فخطاب المؤمنين للتنبيه على شفقته بالمؤمنين ، فقال في الأول كفى النبي مرشداً لكم ما تسترشدونه فأشفق عليهم وأرشدهم ، وعلى هذا قوله * ( الراشدون ) * أي الموافقون للرشد يأخذون ما يأتيهم وينتهون عما ينهاهم . ثم قال تعالى * ( فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) * . فيه مسائل : المسألة الأولى : نصب فضلاً لأجل أمور ، إما لكونه مفعولاً له ، وفيه وجهان أحدهما : أن العامل فيه هو الفعل الذي في قوله * ( الراشدون ) * فإن قيل : كيف يجوز أن يكون فضل الله الذي هو فعل الله مفعولاً له بالنسبة إلى الرشد الذي هو فعل العبد ؟ نقول لما كان الرشد توفيقاً من الله كان كأنه فعل الله فكأنه تعالى أرشدهم فضلاً ، أي يكون متفضلاً عليهم منعماً في حقهم والوجه الثاني : هو أن العامل فيه هو قوله * ( حبب إليكم الإيمان . . . وكره إليكم الكفر ) * ( الحجرات : 7 ) فضلاً وقوله * ( أولئك هم الراشدون ) * ( الحجرات : 7 ) جملة اعترضت بين الكلامين أو يكون العامل فعلاً مقدراً ، فكأنه قال تعالى جرى ذلك فضلاً من الله ، وإما لكونه مصدراً ، وفيه وجهان أحدهما : أن يكون مصدراً من غير اللفظ ولأن الرشد فضل فكأنه قال أولئك هم الراشدون رشداً وثانيهما : هو أن يكون مصدراً لفعل مضمر ، كأنه قال حبب إليكم الإيمان وكره إليكم الكفر فأفضل فضلاً وأنعم نعمة ، والقول بكونه منصوباً على أنه مفعول مطلق وهو المصدر ، أو مفعول له قول الزمخشري ، وإما أن يكون فضلاً مفعولاً به ، والفعل مضمراً دل عليه قوله تعالى : * ( أولئك هم الراشدون ) * أي يبتغون فضلاً من الله ونعمة .