تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 120

مساهمون:

ص١٢٠
الإخبار إذا كانت في جانب النفي ، وتخص في معرض الشرط إذ كانت في جانب النفي ، كما تخص في الإخبار إذا كانت في جانب الثبوت ، فلنذكر بيانه بالمثال ودليله ، أما بيانه بالمثال فنقول : إذا قال قائل لعبده : إن كلمت رجلاً فأنت حر ، فيكون كأنه قال : لا أكلم رجلاً حتى يعتق بتكلم كل رجل ، وإذا قال : إن لم أكلم اليوم رجلاً فأنت حر ، يكون كأنه قال : لا أكلم اليوم رجلاً حتى لا يعتق العبد بترك كلام كل رجل ، كما لا يظهر الحلف في كلامه بكلام كل رجل إذا ترك الكلام مع رجل واحد ، وأما الدليل فلأن النظر أولاً إلى جانب الإثبات ، ألا ترى أنه من غير حرف لما أن الوضع للاثبات والنفي بحرف ، فقول القائل : زيد قائم ، وضع أولاً ولم يحتج إلى أن يقال مع ذلك حرف يدل على ثبوت القيام لزيد ، وفي جانب النفي احتجنا إلى أن نقول : زيد ليس بقائم ، ولو كان الوضع والتركيب أولاً للنفي ، لما احتجنا إلى الحرف الزائد اقتصاراً أو اختصاراً ، وإذا كان كذلك فقول القائل : رأيت رجلاً ، يكفي فيه ما يصحح القول وهو رؤية واحد ، فإذا قلت : ما رأيت رجلاً ، وهو وضع لمقابلة قوله : رأيت رجلاً ، وركب لتلك المقابلة ، والمتقابلان ينبغي أن لا يصدقا ، فقول القائل : ما رأيت رجلاً ، لو كفى فيه انتفاء الرؤية عن غير واحد لصح قولنا : رأيت رجلاً ، وما رأيت رجلاً ، فلا يكونان متقابلين ، فيلزمنا من الاصطلاح الأول الاصطلاح الثاني ، ولزم منه العموم في جانب النفي ، إذا علم هذا فنقول : الشرطية وضعت أولاً ، ثم ركبت بعد الجزمية بدليل زيادة الحرف وهو في مقابلة الجزمية ، وكان قول القائل : إذا لم تكن أنت حراً ما كلمت رجلاً يرجع إلى معنى النفي ، وكما علم عموم القول في الفاسق علم عمومه في النبأ فمعناه : أي فاسق جاءكم بأي نبأ ، فالتثبت فيه واجب . المسألة الرابعة : متمسك أصحابنا في أن خبر الواحد حجة ، وشهادة الفاسق لا تقبل ، أما في المسألة الأولى فقالوا علل الأمر بالتوقف بكونه فاسقاً ، ولو كان خبر الوحد العدل لا يقبل ، لما كان للترتيب على الفاسق فائدة ، وهو من باب التمسك بالمفهوم . وأما في الثانية فلوجهين : أحدهما : أمر بالتبين ، فلو قبل قوله لما كان الحاكم مأموراً بالتبين ، فلم يكن قول الفاسق مقبولاً ، ثم إن الله تعالى أمر بالتبين في الخبر والنبأ ، وباب الشهادة أضيف من باب الخبر والثاني : هو أنه تعالى قال : * ( أن تصيبوا قوماً بجهالة ) * والجهل فوق الخطأ ، لأن المجتهد إذ أخطأ لا يسمى جاهلاً ، والذي يبني الحكم على قول الفاسق إن لم يصب جهل فلا يكون البناء على قوله جائزاً . المسألة الخامسة : * ( أن تصيبوا ) * ذكرنا فيها وجهين أحدهما : مذهب الكوفيين ، وهو أن المراد لئلا تصيبوا ، وثانيها : مذهب البصريين ، وهو أن المراد كراهة أن تصيبوا ، ويحتمل أن يقال : المراد فتبينوا واتقوا ، وقوله تعالى : * ( أن تصيبوا قوماً ) * يبين ما ذكرنا أن يقول الفاسق : تظهر الفتن بين أقوام ، ولا كذلك بالألفاظ المؤذية في الوجه ، والغيبة الصادرة من المؤمنين ، لأن المؤمن يمنعه دينه من الإفحاش والمبالغة في الإيحاش ، وقوله * ( بجهالة ) * في تقدير حال ، أي أن