بينكم وبين ذلك عند تفسير قوله * ( وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ) * ( الحجرات : 9 ) وقال رابعاً : * ( يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم ) * ( الحجرات : 11 ) وقال : * ( ولا تنابزوا ) * ( الحجرات : 11 ) لبيان وجوب ترك إيذاء المؤمنين في حضورهم والازدراء بحالهم ومنصبهم ، وقال خامساً : * ( يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم ) * ( الحجرات : 12 ) وقال : * ( ولا تجسسوا ) * ( الحجرات : 12 ) وقال : * ( ولا يغتب بعضكم بعضاً ) * لبيان وجوب الاحتراز عن إهانة جانب المؤمن حال غيبته ، وذكر ما لو كان حاضراً لتأذى ، وهو في غاية الحسن من الترتيب ، فإن قيل : لم لم يذكر المؤمن قبل الفاسق لتكون المراتب متدرجة الابتداء بالله ورسوله ، ثم بالمؤمن الحاضر ، ثم بالمؤمن الغائب ، ثم بالفاسق ؟ نقول : قدم الله ما هو الأهم على ما دونه ، فذكر جانب الله ، ثم ذكر جانب الرسول ، ثم ذكر ما يفضي إلى الاقتتال بين طوائف المسلمين بسبب الإصغاء إلى كلام الفاسق والاعتماد عليه ، فإنه يذكر كل ما كان أشد نفاراً للصدور ، وأما المؤمن الحاضر أو الغائب فلا يؤذي المؤمن إلى حد يفضي إلى القتل ، ألا ترى أن الله تعالى ذكر عقيب نبأ الفاسق آية الاقتتال ، فقال : * ( وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ) * وفي التفسير مسائل :
المسألة الأولى : في سبب نزول هذه الآية ، هو أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث الوليد بن عقبة ، وهو أخو عثمان لأمه إلى بني المصطلق ولياً ومصدقاً فالتقوه ، فظنهم مقاتلين ، فرجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال : إنهم امتنعوا ومنعوا ، فهم الرسول صلى الله عليه وسلم بالإيقاع بهم ، فنزلت هذه الآية ، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأنهم لم يفعلوا من ذلك شيئاً ، وهذا جيد إن قالوا بأن الآية نزلت في ذلك الوقت ، وأما إن قالوا بأنها نزلت لذلك مقتصراً عليه ومتعدياً إلى غيره فلا ، بل نقول هو نزل عاماً لبيان التثبت ، وترك الاعتماد على قول الفاسق ، ويدل على ضعف قول من يقول : إنها نزلت لكذا ، أن الله تعالى لم يقل إني أنزلتها لكذا ، والنبي صلى الله عليه وسلم لم ينقل عنه أنه بين أن الآية وردت لبيان ذلك فحسب ، غاية ما في الباب أنها نزلت في ذلك الوقت ، وهو مثل التاريخ لنزول الآية ، ونحن نصدق ذلك ، ويتأكد ما ذكرنا أن إطلاق لفظ الفاسق على الوليد سئ بعيد ، لأنه توهم وظن فأخطأ ، والمخطئ لا يسمى فاسقاً ، وكيف والفاسق في أكثر المواضع المراد به من خرج عن ربقة الإيمان لقوله تعالى : * ( إن الله لا يهدي القوم الفاسقين ) * ( المنافقون : 6 ) وقوله تعالى : * ( ففسق عن أمر ربه ) * ( الكهف : 50 ) وقوله تعالى : * ( وأما الذين فسقوا فمأواهم النار كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها ) * ( السجدة : 20 ) إلى غير ذلك .
المسألة الثانية : قوله تعالى : * ( إن جاءكم فاسق بنبأ ) * إشارة إلى لطيفة ، وهي أن المؤمن كان موصوفاً بأنه شديد على الكافر غليظ عليه ، فلا يتمكن الفاسق من أن يخبره بنبأ ، فإن تمكن منه يكون نادراً ، فقال : * ( إن جاءكم ) * بحرف الشرط الذي لا يذكر إلا مع التوقع ، إذ لا يحسن أن يقال : إن احمر البسر ، وإن طلعت الشمس .
المسألة الثالثة : النكرة في معرض الشرط تعم إذا كانت في جانب الثبوت ، كما أنها تعم في
تفسير الرازي — صفحة 119
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص١١٩