تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 35

مساهمون:

ص٣٥
فغفر له إنه هو الغفور الرحيم * قال رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيراً للمجرمين ) * ( القصص : 16 ، 17 ) وحكى تعالى عن داود * ( فاستغفر ربه وخر راكعاً وأناب ) * ( ص : 24 ) وعن سليمان أنه قال : * ( رب اغفر لي وهب لي ملكاً ) * ( ص : 35 ) وعن ذكريا أنه * ( نادى ربه نداءً خفياً ) * ( مريم : 3 ) وعن عيسى عليه السلام أنه قال : * ( ربنا أنزل علينا مائدة من السماء ) * ( المائدة : 114 ) وعن محمد صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى قال له : * ( وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين ) * ( المؤمنون : 97 ) وحكى عن المؤمنون أنهم قالوا * ( ربنا ما خلقت هذا باطلاً ) * ( آل عمران : 191 ) وأعادوا هذه اللفظة خمس مرات ، وحكى أيضاً عنهم أنهم قالوا * ( غفرانك ربنا وإليك المصير ) * ( البقرة : 285 ) إلى آخر السورة . فثبت بما ذكرنا أن من أرضى الدعاء أن ينادي العبد ربه بقوله يا رب وتمام الإشكال فيه أن يقال لفظ الله أعظم من لفظ الرب ، فلم صار لفظ الرب مختصاً بوقت الدعاء ؟ ، والجواب كأن العبد يقول : كنت في كتم العدم والمحض والنفي الصرف ، فأخرجتني إلى الوجود ، وربيتني فاجعل تربيتك لي شفيعاً إليك في أن لا تخليني طرفة عين عن تربيتك وإحسانك وفضلك . المسألة الثانية : السنة في الدعاء ، يبدأ في بالثناء على الله تعالى ، ثم يذكر الدعاء عقيبه ، والدليل عليه هذه الآية ، فإن الملائكة لما عزموا على الدعاء والاستغفار للمؤمنين بدأوا بالثناء فقالوا * ( ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلماً ) * وأيضاً أن الخليل عليه السلام لما أراد أن يذكر الدعاء ذكر الثناء أولاً فقال : * ( الذي خلقني فهو يهدين * والذي هو يطعمني يسقين * وإذا مرضت فهو يشفين * والذي يميتني ثم يحيين * والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين ) * ( الشعراء : 78 - 82 ) فكل هذا ثناء على الله تعالى ، ثم بعده ذكر الدعاء فقال : * ( رب هب لي حكماً وألحقني بالصالحين ) * ( الشعراء : 83 ) . واعلم أن العقل يدل أيضاً على رعاية هذا الترتيب ، وذلك ذكر الله بالثناء والتعظيم بالنسبة إلى جوهر الروح كالإكسير الأعظم بالنسبة إلى النحاس ، فكما أن ذرة من الإكسير إذا وقعت على عالم من النحاس انقلب الكل ذهباً إبريزاً فكذلك إذا وقعت ذرة من إكسير معرفة جلال الله تعالى على جوهر الروح النطقية ، انقلب من نحوسة النحاسة إلى صفاء القدس وبقاء عالم الطهارة ، فثبت أن عند إشراق نور معرفة الله تعالى في جواهر الروح ، يصير الروح أقوى صفاء وأكمل إشراقاً ، ومتى صار كذلك كانت قوته أقوى وتأثيره أكمل ، فكان حصول الشيء المطلوب أقرب وأكمل ، وهذا هو السبب في تقديم الثناء على الله على الدعاء . المسألة الثالثة : اعلم أن الملائكة وصفوا الله تعالى بثلاثة أنواع من الصفات : الربوبية والرحمة والعلم ، أما الربوبية فهي إشارة إلى الإيجاد والإبداع ، وفيه لطيفة أخرى وهي أن قولهم