تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 33

مساهمون:

ص٣٣
المدح والثناء ، فلما ذكر الله تعالى إيمانهم بالله على سبيل الثناء والمدح والتعظيم ، علم أنهم آمنوا به بدليل أنهم ما شاهدوه حاضراً جالساً هناك ، ورحم الله صاحب " الكشاف " فلو لم يحصل في كتابه إلا هذه النكتة لكفاه فخراً وشرفاً . النوع الثالث : مما حكى الله عن هؤلاء الملائكة قوله تعالى : * ( ويستغفرون للذين آمنوا ) * اعلم أنه ثبت أن كمال السعادة مربوط بأمرين : التعظيم لأمر الله ، والشفقة على خلق الله ، ويجب أن يكون التعظيم لأمر الله مقدماً على الشفقة على خلق الله فقوله * ( يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ) * مشعر بالتعظيم لأمر الله وقوله * ( ويستغفرون للذين آمنوا ) * مشعر بالشفقة على خلق الله . ثم في الآية مسائل : المسألة الأولى : احتج كثير من العلماء بهذه الآية في إثبات أن الملك أفضل من البشر ، قالوا لأن هذه الآية تدل على أن الملائكة لما فرغوا من ذكر الله بالثناء والتقديس اشتغلوا بالاستغفار لغيرهم وهم المؤمنون ، وهذا يدل على أنهم مستغنون على الاستغفار لأنفسهم إذ لو كانوا محتاجين إليه لقدموا الاستغفار لأنفسهم على الاستغفار لغيرهم بدليل قوله صلى الله عليه وسلم : " ابدأ بنفسك " وأيضاً قال تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم * ( فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات ) * ( محمد : 19 ) فأمر محمداً أن يذكر أولاً الاستغفار لنفسه ، ثم بعده يذكر الاستغفار لغيره ، وحكى عن نوح عليه السلام أنه قال : * ( رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمناً وللمؤمنين والمؤمنات ) * ( نوح : 28 ) وهذا يدل على أن كل من كان محتاجاً إلى الاستغفار فإنه يقدم الاستغفار لنفسه على الاستغفار لغيره ، فالملائكة لو كانوا محتاجين إلى الاستغفار لكان اشتغالهم لأنفسهم مقدماً على اشتغالهم بالاستغفار لغيرهم ، ولما لم يذكر الله تعالى عنهم استغفارهم لأنفسهم علمنا أن ذلك إنما كان لأنهم ما كانوا محتاجين إلى الاستغفار ، وأما الأنبياء عليهم السلام فقد كانوا محتاجين إلى استغفار بدليل قوله تعالى لمحمد عليه السلام * ( واستغفر لذنبك ) * وإذا ثبت هذا فقد ظهر أن الملك أفضل من البشر والله أعلم . المسألة الثانية : احتج الكعبي بهذه الآية على أن تأثير الشفاعة في حصول زيادة الثواب للمؤمنين لا في إسقاط العقاب عن المذنبين ، قال وذلك لأن الملائكة قالوا * ( فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك ) * قال وليس المراد فاغفر للذين تابوا من الكفر سواء كان مصراً على الفسق أو لم يكن كذلك ، لأن من هذا حاله لا يوصف بكونه متبعاً سبيل ربه ولا يطلق ذلك فيه ، وأيضاً إن الملائكة يقولون * ( وأدخلهم جنّات عدن التي وعدتهم ) * وهذا لا يليق بالفاسقين ، لأن خصومنا لا يقطعون على أن الله تعالى وعدهم الجنة وإنما يجوزون ذلك ، فثبت أن شفاعة الملائكة لا يتناول إلا أهل الطاعة ، فوجب أن تكون شفاعة الأنبياء كذلك ، ضرورة أنه لا قائل بالفرق والجواب أن نقول هذه الآية تدل على حصول الشفاعة من الملائكة المذنبين ، فنبين هذا ثم نجيب عما ذكره الكعبي ، أما بيان دلالة هذه الآية على ما قلناه فمن وجوه الأول : قوله * ( ويستغفرون للذين