تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 32

مساهمون:

ص٣٢
وأما القسم الثاني : من الملائكة الذين ذكرهم الله تعالى في هذه الآية فقوله تعالى : * ( ومن حوله ) * والأظهر أن المراد منهم ما ذكره في قوله * ( وترى الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم ) * ( الزمر : 75 ) وأقول العقل يدل على أن حملة العرش ، والحافين حول العرش يجب أن يكونوا أفضل الملائكة ، وذلك لأن نسبة الأرواح إلى الأرواح كنسبة الأجساد إلى الأجساد ، فلما كان العرش أشرف الموجودات الجسمانية كانت الأرواح المتعلقة بتدبير العرش يجب أن تكون أفضل من الأرواح المدبرة للأجساد ، وأيضاً يشبه أن يكون هناك أرواح حاملة لجسم العرش ثم يتولد عن تلك الأرواح القاهرة المستعلية لجسم العرش أرواح أُخر من جنسها ، وهي متعلقة بأطراف العرش وإليهم الإشارة بقوله * ( وترى الملائكة حافين من حول العرش ) * ( الزمر : 75 ) وبالجملة فقد ظهر بالبراهين اليقينية ، وبالمكاشفات الصادقة أنه لا نسبة لعالم الأجساد ، إلى عالم الأرواح فكل ما شاهدته بعين البصر في اختلاف مراتب عالم الأجساد ، فيجب أن تشاهده بعين بصيرتك في اختلاف مراتب عالم الأرواح . المسألة الثانية : دلت هذه الآية على أنه سبحانه منزّه عن أن يكون في العرش ، وذلك لأنه تعالى قال في هذه الآية * ( الذين يحملون العرش ) * وقال في آية أخرى * ( ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية ) * ( الحاقة : 17 ) ولا شك أن حامل العرش يكون حاملاً لكل من في العرش ، فلو كان إله العالم في العرش لكان هؤلاء الملائكة حاملين لإله العالم فحينئذ يكونون حافظين لإله العالم والحافظ القادر أولى بالإلهية والمحمول المحفوظ أولى بالعبودية ، فحينئذ ينقلب الإله عبداً والعبد إلهاً ، وذلك فاسد ، فدل هذا على أن إله العرش والأجسام متعال عن العرش والأجسام . واعلم أنه تعالى حكى عن حملة العرش ، وعن الحافين بالعرش ثلاثة أشياء : النوع الأول : قوله * ( يسبحون بحمد ربهم ) * ونظيره قوله حكاية عن الملائكة * ( ونحن نسبح بحمدك ) * ( البقرة : 30 ) وقوله تعالى : * ( وترى الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم ) * ( الزمر : 75 ) فالتسبيح عبارة عن تنزيه الله تعالى عما لا ينبغي ، والتحميد الاعتراف بأنه هو المنعم على الإطلاق ، فالتسبيح إشارة إلى الجلال والتحميد إشارة إلى الإكرام ، فقوله * ( يسبحون بحمد ربهم ) * قريب من قوله * ( تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام ) * ( الرحمن : 78 ) . النوع الثاني : مما حكى الله عن هؤلاء الملائكة هو قوله تعالى : * ( ويؤمنون به ) * فإن قيل فأي فائدة في قوله * ( ويؤمنون به ) * فإن الاشتغال بالتسبيح والتحميد لا يمكن إلا وقد سبق الإيمان بالله ؟ قلنا الفائدة فيه ما ذكره صاحب " الكشاف " ، وقد أحسن فيه جداً فقال إن المقصود منه التنبه على أن الله تعالى لو كان حاضراً بالعرش لكان حملة العرش والحافون حول العرش يشاهدونه ويعاينونه ، ولما كان إيمانهم بوجود الله موجباً للمدح والثناء لأن الإقرار بوجود شيء حاضر مشاهد معاين لا يوجب المدح والثناء ، ألا ترى أن الإقرار بوجود الشمس وكونها مضيئة لا يوجب