تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 37

مساهمون:

ص٣٧
من الله تعالى أشياء كثيرة للمؤمنين ، فالمطلوب الأول الغفران وقد سبق تفسيره في قوله * ( فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك ) * فإن قيل لا معنى للغفران إلا إسقاط العذاب ، وعلى هذا التقدير فلا فرق بين قوله : فاغفر لهم ، وبين قوله * ( وقهم عذاب الجحيم ) * قلنا دلالة لفظ المغفرة على إسقاط عذاب الجحيم دلالة حاصلة على الرمز والإشارة ، فلما ذكروا هذا الدعاء على سبيل الرمز والإشارة أردفوه بذكره على سبيل التصريح لأجل التأكيد والمبالغة ، واعلم أنهم لما طلبوا من الله إزالة العذاب عنهم أردفوه بأن طلبوا من الله إيصال الثواب إليهم فقالوا * ( ربنا وأدخلهم جنّات عدن التي وعدتهم ) * فإن قيل أنتم زعمتم أن هذه الشفاعة إنما حصلت للمذنبين وهذه الآية تبطل ذلك لأنه تعالى ما وعد المذنبين بأن يدخلهم في جنّات عدن ، قلنا لا نسلم أنه ما وعدهم بذلك ، لأنا بينا أن الدلائل الكثيرة في القرآن دلّت على أنه تعالى لا يخلد أهل لا إله إلا الله محمد رسول الله في النار ، وإذا أخرجهم من النار وجب أن يدخلهم الجنة فكان هذا وعداً من الله تعالى لهم بأن يدخلهم في جنّات عدن ، إما من غير دخول النار وإما بعد أن يدخلهم النار . قال تعالى : * ( ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم ) * يعني وأدخل معهم في الجنة هؤلاء الطوائف الثلاث ، وهم الصالحون من الآباء والأزواج والذريات ، وذلك لأن الرجل إذا حضر معه في وضع عيشه وسروره أهله وعشيرته كان ابتهاجه أكمل ، قال الفرّاء والزجاج * ( من صلح ) * نصب من مكانين فإن شئت رددته على الضمير في قوله * ( وأدخلهم ) * وإن شئت في * ( وعدتهم ) * والمراد من قوله * ( ومن صلح ) * أهل الإيمان ، ثم قالوا : * ( إنك أنت العزيز الحكيم ) * وإنما ذكروا في دعائهم هذين الوصفين لأنه لو لم يكن عزيزاً بل كان بحيث يغلب ويمنع لما صح وقوع المطلوب منه ، ولو لم يكن حكيماً لما حصل هذا المطلوب على وفق الحكمة والمصلحة ، ثم قالوا بعد ذلك * ( وقهم السيئات ) * قال بعضهم المراد وقهم عذاب السيئات ، فإن قيل فعلى هذا التقدير لا فرق بين قوله * ( وقهم السيئات ) * وبين ما تقدم من قوله * ( وقهم عذاب الجحيم ) * وحينئذ يلزم التكرار الخالي عن الفائدة وإنه لا يجوز ، قلنا بل التفاوت حاصل من وجهين الأول : أن يكون قوله * ( وقهم عذاب الجحيم ) * دعاء مذكور للأصول وقوله * ( وقهم السيئات ) * دعاءً مذكوراً للفروع الثاني : أن يكون قوله * ( وقهم عذاب الجحيم ) * مقصوراً على إزالة الجحيم وقوله * ( وقهم السيئات ) * يتناول عذاب الجحيم وعذاب موقف القيامة وعذاب الحساب والسؤال . والقول الثاني : في تفسير * ( وقهم السيئات ) * هو أن الملائكة طلبوا إزالة عذاب النار بقولهم * ( وقهم عذاب الجحيم ) * وطلبوا إيصال ثواب الجنة إليهم بقولهم * ( وأدخلهم جنّات عدن ) * ثم طلبوا بعد ذلك أن يصونهم الله تعالى في الدنيا عن العقائد الفاسدة ، والأعمال الفاسدة ، وهو المراد بقولهم * ( وقهم السيئات ) * ثم قالوا * ( ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته ) * يعني ومن تق السيئات في الدنيا فقد رحمته في يوم القيامة ، ثم قالوا * ( وذلك هو الفوز العظيم ) * حيث وجدوا بأعمال منقطعة نعيماً ، وبأعمال حقيرة ملكاً لا تصل العقول إلى كنه جلالته .