تولد الأشخاص إنما كان بسبب حركات الأفلاك الموجبة لامتزاجات الطبائع ، وإذا وقعت تلك الامتزاجات على وجه خاص حصلت الحياة ، وإذا وقعت على وجه آخر حصل الموت ، فالموجب للحياة والموت تأثيرات الطبائع وحركات الأفلاك ، ولا حاجة في هذا الباب إلى إثبات الفاعل المختار ، فهذه الطائفة جمعوا بين إنكار الإله وبين إنكار البعث والقيامة .
ثم قال تعالى : * ( دوما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون ) * والمعنى أن قبل النظر ومعرفة الدليل الاحتمالات بأسرها قائمة ، فالذي قالوه يحتمل وضده أيضاً يحتمل ، وذلك هو أن يكون القول بالبعث والقيامة حقاً ، وأن يكون القول بوجود الإله الحكيم حقاً ، فإنهم لم يذكروا شبهة ضعيفة ولا قوية في أن هذا الاحتمال الثاني باطل ، ولكنه خطر ببالهم ذلك الاحتمال الأول فجزموا به وأصروا عليه من غير حجة ولا بينة ، فثبت أنه ليس علم ولا جزم ولا يقين في صحة القول الذي اختاروه بسبب الظن والحسبان وميل القلب إليه من غير موجب ، وهذه الآية من أقوى الدلائل على أن القول بغير حجة وبيّنة قول باطل فاسد ، وأن متابعة الظن والحسبان منكر عند الله تعالى .
ثم قال تعالى : * ( وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات ما كان حجتهم إلا أن قالوا ائتوا بآبائنا إن كنتم صادقين ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : قرىء حجتهم بالنصب والرفع على تقديم خبر كان وتأخيره . المسألة الثانية : سمى قولهم حجة لوجوه الأول : أنه في زعمهم حجة الثاني : أن يكون المراد من كان حجتهم هذا فليس البتة حجة كقوله : تحية بينهم ضرب وجيع ( أي ليس بينهم تحية لمنافاة الضرب للتحية ) الثالث : أنهم ذكروها في معرض الاحتجاج بها .
المسألة الثالثة : أن حجتهم على إنكار البعث أن قالوا لو صح ذلك فائتوا بآبائنا الذين ماتوا ليشهدوا لنا بصحة البعث .
واعلم أن هذه الشبهة ضعيفة جداً ، لأنه ليس كل ما لا يحصل في الحال وجب أن يكون ممتنع الحصول ، فإن حصول كل واحد منا كان معدوماً من الأزل إلى الوقت الذي حصلنا فيه ، ولو كان عدم الحصول في وقت معين يدل على امتناع الحصول لكان عدم حصولنا كذلك ، وذلك باطل بالاتفاق .
ثم قال تعالى : * ( قل الله يحييكم ثم يميتكم ثم يجمعكم إلى يوم القيامة ) * فإن قيل هذا الكلام مذكور لأجل جواب من يقول * ( ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر ) * فهذا القائل كان منكراً لوجود الإله ولوجود يوم القيامة ، فكيف يجوز إبطال كلامه بقوله * ( قل الله يحييكم ثم يميتكم ) * وهل هذا إلا إثبات للشيء بنفسه وهو باطل ، قلنا إنه تعالى ذكر الاستدلال بحدوث الحيوان والإنسان على وجود الفاعل الحكيم في القرآن مراراً وأطواراً . فقوله ها هنا * ( قل الله يحييكم ) * إشارة إلى تلك الدلائل التي بيّنها وأوضحها مراراً ، وليس المقصود من ذكر هذا الكلام
تفسير الرازي — صفحة 270
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٢٧٠