تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 269

مساهمون:

ص٢٦٩
ثم قال تعالى : * ( وأضله الله على علم ) * يعني على علم بأن جوهر روحه لا يقبل الصلاح ، ونظيره في جانب التعظيم قوله تعالى : * ( الله أعلم حيث يجعل رسالته ) * ( الأنعام : 124 ) وتحقيق الكلام فيه أن جواهر الأرواح البشرية مختلفة فمنها مشرقة نورانية علوية إلهية ، ومنها كدرة ظلمانية سفلية عظيمة الميل إلى الشهوات الجسمانية ، فهو تعالى يقابل كلاً منهم بحسب ما يليق بجوهره وماهيته ، وهو المراد من قوله * ( وأضله الله على علم ) * في حق المردودين وبقوله * ( الله أعلم حيث يجعل رسالته ) * في حق المقبولين . ثم قال : * ( وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة ) * فقوله * ( وأضله الله على علم ) * هو المذكور في قوله * ( إن الذين كفروا ) * إلى قوله * ( لا يؤمنون ) * ( البقرة : 6 ) وقوله * ( وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة ) * هو المراد من قوله * ( ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ) * ( البقرة : 7 ) وكل ذلك قد مرّ تفسيره في سورة البقرة بالاستقصاء ، والتفاوت بين الآيتين أنه في هذه الآية قدم ذكر السمع على القلب ، وفي سورة البقرة قدم القلب على السمع ، والفرق أن الإنسان قد يسمع كلاماً فيقع في قلبه منه أثر ، مثل أن جماعة من الكفار كانوا يلقون إلى الناس أن النبي صلى الله عليه وسلم شاعر وكاهن وأنه يطلب الملك والرياسة ، فالسامعون إذا سمعوا ذلك أبغضوه ونفرت قلوبهم عنه ، وأما كفار مكة فهم كانوا يبغضونه بقلوبهم بسبب الحسد الشديد فكانوا يستمعون إليه ، ولو سمعوا كلامه ما فهموا منه شيئاً نافعاً ، ففي الصورة الأولى كان الأثر يصعد من البدن إلى جوهر النفس ، وفي الصورة الثانية كان الأثر ينزل من جوهر النفس إلى قرار البدن ، فلما اختلف القسمان لا جرم أرشد الله تعالى إلى كلا هذين القسمين بهذين الترتيبين اللذين نبهنا عليهما ولما ذكر الله تعالى هذا الكلام قال : * ( فمن يهديه من بعد الله ) * أي من بعد أن أضله الله * ( أفلا تذكرون ) * أيها الناس ، قال الواحدي وليس يبقى للقدرية مع هذه الآية عذر ولا حيلة ، لأن الله تعالى صرّح بمنعه إياهم عن الهدى حين أخبر أنه ختم على سمع هذا الكافر وقلبه وبصره ، وأقول هذه المناظرة قد سبقت بالاستقصاء في أول سورة البقرة . واعلم أنه تعالى حكى عنهم بعد ذلك شبهتهم في إنكار القيامة وفي إنكار الإله القادر ، أما شبهتهم في إنكار القيامة فهي قوله تعالى : * ( وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا ) * فإن قالوا الحياة مقدمة على الموت في الدنيا فمنكرو القيامة كان يجب أن يقولوا نحيا ونموت ، فما السبب في تقديم ذكر الموت على الحياة ؟ قلنا فيه وجوه الأول : المراد بقوله * ( نموت ) * حال كونهم نطفاً في أصلاب الآباء وأرحام الأمهات ، وبقوله * ( نحيا ) * ما حصل بعد ذلك في الدنيا الثاني : نموت نحن ونحيا بسبب بقاء أولادنا الثالث : يموت بعض ويحيا بعض الرابع : وهو الذي خطر بالبال عند كتابة هذا الموضع أنه تعالى قدم ذكر الحياة فقال : * ( ما هي إلا حياتنا الدنيا ) * ثم قال بعده : * ( نموت ونحيا ) * يعني أن تلك الحياة منها ما يطرأ عليها الموت وذلك في حق الذين ماتوا ، ومنها ما لم يطرأ الموت عليها ، وذلك في حق الأحياء الذين لم يموتوا بعد ، وأما شبهتهم في إنكار الإله الفاعل المختار ، فهو قولهم * ( وما يهلكنا إلا الدهر ) * يعني
تفسير الرازي — صفحة 269 | فخر الدين الرازي