أَن قَالُواْ ائْتُواْ بِابَآئِنَآ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ) *
اعلم إنه تعالى لما أفتى بأن المؤمن لا يساوي الكافر في درجات السعادات ، أتبعه بالدلالة الظاهرة على صحة هذه الفتوى ، فقال : * ( وخلق الله السماوات والأرض بالحق ) * ولو لم يوجد البحث لما كان ذلك بالحق بل كان بالباطل ، لأنه تعالى لما خلق الظالم وسلّطه على المظلوم الضعيف ، ثم لا ينتقم للمظلوم من الظالم كان ظالماً ، ولو كان ظالماً لبطل أنه خلق السماوات والأرض بالحق وتمام تقرير هذه الدلائل مذكور في أول سورة يونس ، قال القاضي هذه الآية تدل على أن في مقدور الله ما لو حصل لكان ظلماً ، وذلك لا يصح إلا على مذهب المجبرة الذين يقولون لو فعل كحل شيء أراده لم يكن ظلماً ، وعلى قول من يقول إنه لا يوصف بالقدرة على الظلم ، وأجاب الأصحاب عنه بأن المراد فعل ما لو فعله غيره لكان ظلماً كما أن المراد من الابتلاء والاختبار فعل ما لو فعله غيره لكان ابتلاءً واختباراً ، وقوله تعالى : * ( ولتجزي ) * فيه وجهان :
الأول : أنه معطوف على قوله * ( بالحق ) * فيكون التقدير وخلق الله السماوات والأرض لأجل إظهار الحق ولتجزى كل نفس ، الثاني : أن يكون العطف على محذوف ، والتقدير : وخلق الله السماوات والأرض بالحق ليدل بهما على قدرته ولتجزى كل نفس والمعنى أن المقصود من خلق هذا العلم إظهار العدل والرحمة ، وذلك لا يتم إلا إذا حصل البعث والقيامة وحصل التفاوت في الدرجات والدركات بين المحقين وبين المبطلين ، ثم عاد تعالى إلى شرح أحوال الكفار وقبائح طوائفهم ، فقال : * ( أفرأيت من اتخذ إلهه هواه ) * يعني تركوا متابعة الهدى وأقبلوا على متابعة الهوى فكانوا يعبدون الهوى كما يعبد الرجل إلهه ، وقرئ * ( آلهته هواه ) * كلما مال طبعه إلى شيء اتبعه وذهب خلفه ، فكأنه اتخذ هواه آلهة شتى يعبد كل وقت واحداً منها .
تفسير الرازي — صفحة 268
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٢٦٨