أي لله القدرة على جميع الممكنات سواء كانت من السماوات أو من الأرض ، وإذا ثبت كونه تعالى قادراً على كل الممكنات ، وثبت أن حصول الحياة في هذه الذات ممكن ، إذ لو لم يكن ممكناً لما حصل في المرة الأولى فيلزم من هاتين المقدمتين كونه تعالى قادراً على الإحياء في المرة الثانية . ولما بيّن تعالى إمكان القول بالحشر والنشر بهذين الطريقين ، ذكر تفاصيل أحوال القيامة فأولها : قوله تعالى : * ( ويوم تقوم الساعة يومئذ يخسر المبطلون ) * وفيه أبحاث : البحث الأول : عامل النصب في يوم تقوم يخسر ، ويومئذ بدل من يوم تقوم .
البحث الثاني : قد ذكرنا في مواضع من هذا الكتاب أن الحياة والعقل والصحة كأنها رأس المال ، والتصرف فيها لطلب سعادة الآخرة يجري مجرى تصرف التاجر في رأس المال لطلب الربح ، والكفار قد أتعبوا أنفسهم في هذه التصرفات وما وجدوا منها إلا الحرمان والخذلان فكان ذلك في الحقيقة نهاية الخسران وثانيها : قوله تعالى : * ( وترى كل أمة جاثية ) * قال الليث الجثو الجلوس على الركب كما يجثى بين يدي الحاكم ، قال الزجاج ومثله جذا يجذو ، قال صاحب " الكشاف " : وقرئ جاذية ، قال أهل اللغة والجذو أشد استيفازاً من الجثو ، لأن الجاذي هو الذي يجلس على أطراف أصابعه ، وعن ابن عباس جاثية مجتمعة مرتقبة لما يعمل بها .
ثم قال تعالى : * ( كل أمة تدعى إلى كتابها ) * على الابتداء وكل أمة على الإبدال من كل أمة ، وقوله * ( إلى كتبها ) * أي إلى صحائف أعمالها ، فاكتفى باسم الجنس كقوله تعالى : * ( ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ) * ( الكهف : 49 ) والظاهر أنه يدخل فيه المؤمنون والكافرون لقوله تعالى بعد ذلك * ( فأما الذين آمنوا ) * .
ثم قال تعالى : * ( وأما الذين كفروا ) * فإن قيل الجثو على الركبة إنما يليق بالخائف والمؤمنون لا خوف عليهم يوم القيامة ، قلنا إن المحق الآمن قد يشارك المبطل في مثل هذه الحالة إلى أن يظهر كونه محقاً .
ثم قال تعالى : * ( اليوم تجزون ) * والتقدير يقال لهم اليوم تجزون ، فإن قيل كيف أضيف الكتاب إليهم وإلى الله تعالى ؟ قلنا لا منافاة بين الأمرين لأنه كتابهم بمعنى أنه الكتاب المشتمل على أعمالهم وكتاب الله بمعنى أنه هو الذي أمر الملائكة بكتبه * ( ينطق عليكم ) * أي يشهد عليكم بما عملتم من غير زيادة ولا نقصان * ( إنا كنا نستنسخ ) * الملائكة * ( ما كنتم تعملون ) * أي نستكتبهم أعمالكم .
ثم بيّن أحوال المطيعين فقال : * ( فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيدخلهم ربهم في رحمته ذلك هو الفوز المبين ) * وفيه مسائل :
المسألة الأولى : ذكر بعد وصفهم بالإيمان كونهم عاملين للصالحات ، فوجب أن يكون عمل الصالحات مغايراً للإيمان زائداً عليه .
المسألة الثانية : قالت المعتزلة علق الدخول في رحمة الله على كونه آتياً بالإيمان والأعمال
تفسير الرازي — صفحة 272
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٢٧٢