تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 237

مساهمون:

ص٢٣٧
ورب حم ورب الكتاب المبين ، وكل من كان مربوباً فهو محدث الثالث : أنه وصفه بكونه كتاباً والكتاب مشتق من الجمع فمعناه أنه مجموع والمجموع محل تصرف الغير ، وما كان كذلك فهو محدث الرابع : قوله * ( إنا أنزلناه ) * والمنزل محل تصرف الغير ، وما كان كذلك فهو محدث ، وقد ذكرنا مراراً أن جميع هذه الدلائل تدل على أن الشيء المركب من الحروف المتعاقبة والأصوات المتوالية محدث ، والعلم بذلك ضروري بديهي ، لا ينازع فيه إلا من كان عديم العقل وكان غير عارف بمعنى القديم والمحدث ، وإذا كان كذلك فكيف ينازع في صحة هذه الدلائل ، إنما الذي ثبت قدمه شيء آخر سوى ما تركب من هذه الحروف والأصوات . المسألة الثالثة : يجوز أن يكون المراد بالكتاب ههنا الكتب المتقدمة التي أنزلها الله على أنبيائه ، كما قال تعالى : * ( لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ) * ( الحديد : 25 ) ويجوز أن يكون المراد اللوح المحفوظ ، كما قال : * ( يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب ) * ( الرعد : 39 ) وقال : * ( وإنه في أم الكتاب لدينا ) * ( الزخرف : 4 ) ويجوز أن يكون المراد به القرآن ، وبهذا التقدير فقد أقسم بالقرآن على أنه أنزل القرآن في ليلة مباركة ، وهذا النوع من الكلام يدل على غاية تعظيم القرآن ، فقد يقول الرجل إذا أراد تعظيم رجل له حاجة إليه : أستشفع بك إليك وأقسم بحقك عليك . المسألة الرابعة : * ( المبين ) * هو المشتمل على بيان ما بالناس حاجة إليه في دينهم ودنياهم ، فوصفه بكونه مبيناً ، وإن كانت حقيقة الإبانة لله تعالى ، لأجل أن الإبانة حصلت به ، كما قال تعالى : * ( وإن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل ) * ( النمل : 76 ) وقال في آية أخرى * ( نحن نقص عليك أحسن القصص ) * ( يوسف : 3 ) وقال : * ( أم أنزلنا عليهم سلطاناً فهو يتكلم بما كانوا به يشركون ) * ( الروم : 35 ) فوصفه بالتكلم إذ كان غاية في الإبانة ، فكأنه ذو لسان ينطق ، والمعنى فيه المبالغة في وصفه بهذا المعنى . المسألة الخامسة : اختلفوا في هذه الليلة المباركة ، فقال الأكثرون : إنها ليلة القدر ، وقال عكرمة وطائفة آخرون : إنها ليلة البراءة ، وهي ليلة النصف من شعبان أما الأولون فقد احتجوا على صحة قولهم بوجوه أولها : أنه تعالى قال : * ( إنا أنزلناه في ليلة القدر ) * ( القدر : 1 ) وهاهنا قال : * ( إنا أنزلناه في ليلة مباركة ) * فوجب أن تكون هذه الليلة المباركة هي تلك المسماة بليلة القدر ، لئلا يلزم التناقض وثانيها : أنه تعالى قال : * ( شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن ) * ( البقرة : 185 ) فبيّن أن إنزال القرآن إنما وقع في شهر رمضان ، وقال هاهنا * ( إنا أنزلناه في ليلة مباركة ) * فوجب بأن تكون هذه الليلة واقعة في شهر رمضان ، وكل من قال إن هذه الليلة المباركة واقعة في شهر رمضان ، قال إنها ليلة القدر ، فثبت أنها ليلة القدر وثالثها : أنه تعالى قال في صفة ليلة القدر * ( تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر سلام هي ) * ( القدر : 4 ، 5 ) وقال أيضاً ههنا * ( فيها يفرق كل أمر حكيم ) * وهذا مناسب لقوله * ( تنزل الملائكة والروح فيها ) * وههنا قال : * ( أمراً من عندنا ) * وقال في تلك الآية * ( بإذن ربهم من كل أمر ) * وقال ههنا * ( رحمة من ربك ) * وقال في تلك الآية * ( سلام هي ) * وإذا تقاربت الأوصاف