تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 240

مساهمون:

ص٢٤٠
إلا به ، وأما بيان أن هذه الليلة ليلة مباركة فهو أمران : أحدهما : أنه تعالى يفرق فيها كل أمر حكيم ، والثاني : أن ذلك الأمر الحكيم مخصوصاً بشرف أنه إنما يطهر من عنده ، وإليه الإشارة بقوله * ( أمراً من عندنا ) * . وأما النوع الثالث : فهو بيان شرف القرآن لشرف منزله وذلك هو قوله * ( إنا كنا مرسلين ) * فبيّن أن ذلك الإنذار والإرسال إنما حصل من الله تعالى ، ثم بيّن أن ذلك الإرسال إنما كان لأجل تكميل الرحمة وهو قوله * ( رحمة من ربك ) * وكان الواجب أن يقال رحمة منا إلا أنه وضع الظاهر موضع المضمر إيذاناً بأن الربوبية تقتضي الرحمة على المربوبين ، ثم بيّن أن تلك الرحمة وقعت على وفق حاجات المحتاجين لأنه تعالى يسمع تضرعاتهم ، ويعلم أنواع حاجاتهم ، فلهذا قال : * ( إنه هو السميع العليم ) * فهذا ما خطر بالبال في كيفية تعلق بعض هذه الآيات ببعض . المسألة الثامنة : في تفسير مفردات هذه الألفاظ ، أما قوله تعالى : * ( إنا أنزلناه في ليلة مباركة ) * فقد قيل فيه إنه تعالى أنزل كلية القرآن من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا في هذه الليلة ، ثم أنزل في كل وقت ما يحتاج إليه المكلف ، وقيل يبدأ في استنساخ ذلك من اللوح المحفوظ في ليلة البراءة ويقع الفراغ في ليلة القدر فتدفع نسخة الأرزاق إلى ميكائيل ، ونسخة الحروب إلى جبرائيل وكذلك الزلازل والصواعق والخسف ، ونسخة الأعمال إلى إسماعيل صاحب سماء الدنيا وهو ملك عظيم ، ونسخة المصائب إلى ملك الموت . أما قوله تعالى : * ( فيها يفرق ) * أي في تلك الليلة المباركة يفرق أي يفصل ويبين من قوله فرقت الشيء أفرقه فرقاً وفرقاناً ، قال صاحب " الكشاف " وقرئ يفرق بالتشديد ويفرق على إسناد الفعل إلى الفاعل ونصل كل والفارق هو الله عز وجل ، وقرأ زيد بن علي نفرق بالنون . أما قوله * ( كل أمر حكيم ) * فالحكيم معناه ذو الحكمة ، وذلك لأن تخصيص الله تعالى كل أحد بحالة معينة من العمر والرزق والأجل والسعادة والشقاوة يدل على حكمة بالغة لله تعالى ، فما كانت تلك الأفعال والأقضية دالة على حكمة فاعلها وصفت بكونها حكيمة ، وهذا من الإسناد بالمجازي ، لأن الحكيم صفة صاحب الأمر على الحقيقة ووصف الأمر به مجاز ، ثم قال : * ( أمراً من عندنا ) * وفي انتصاب قوله * ( أمراً ) * وجهان : الأول : أنه نصب على الاختصاص ، وذلك أنه تعالى بيّن شرف تلك الأقضية والأحكام بسبب أن وصفها بكونها حكيمة ، ثم زاد في بين شرفها بأن قال أعني بهذا الأمر أمراً حاصلاً من عندنا كائناً من لدنا ، وكما اقتضه علمنا وتدبيرنا والثاني : أنه نصب على الحال وفيه ثلاثة أوجه : الأول : أن يكون حال من أحد الضميرين في * ( أنزلناه ) * ، إما من ضمير الفاعل أي : إنا أنزلناه آمرين أمراً أو من ضمير المفعول أي : إنا أنزلناه في حال كونه أمراً من عندنا بما يجب أن يفعل والثالث : ما حكاه أبو علي الفارسي عن أبي الحسن رحمهما الله أنه حمل قوله * ( أمراً ) * على الحال وذو الحال قوله * ( كل أمر حكيم ) * وهو نكراً .