تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 62

مساهمون:

ص٦٢
لذلك يعود السؤال ، وأما ظاهر هذه الآية فهو وإن كان لهم لكنه معارض بسائر الظواهر المطابقة لقولنا . المسألة الرابعة : ظاهر الآية يدل على أن هذا السؤال من الله تعالى وإن احتمل أن يكون ذلك من الملائكة بأمر الله تعالى . بقي على الآية سؤالات . الأول : ما فائدة أنتم وهم ؟ وهلا قيل أأضللتم عبادي هؤلاء أم ضلوا السبيل ؟ الجواب : ليس السؤال عن الفعل ووجوده ، لأنه لولا وجوده لما توجه هذا العتاب ، وإنما هو عن فاعله فلا بد من ذكره وإيلائه حرف الاستفهام حتى يعلم أنه المسؤول عنه . السؤال الثاني : أنه سبحانه كان عالماً في الأزل بحال المسؤول عنه فما فائدة هذا السؤال ؟ الجواب : هذا استفهام على سبيل التقريع للمشركين كما قال لعيسى : * ( أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله ) * ( المائدة : 116 ) ولأن أولئك المعبودين لما برؤا أنفسهم ، وأحالوا ذلك الضلال عليهم صار تبرؤ المعبودين عنهم أشد في حسرتهم وحيرتهم . السؤال الثالث : قال تعالى : * ( أم هم ضلوا السبيل ) * والقياس أن يقال ضل عن السبيل ، الجواب : الأصل ذلك ، إلا أن الإنسان إذا كان متناهياً في التفريط وقلة الاحتياط ، يقال ضل السبيل . أما قوله : * ( سبحانك ) * فاعلم أنه سبحانه حكى جوابهم ، وفي قوله : * ( سبحانك ) * وجوه : أحدها : أنه تعجب منهم فقد تعجبوا مما قيل لهم لأنهم ملائكة وأنبياء معصومون فما أبعدهم عن الإضلال الذي هو مختص بإبليس وحزبه وثانيها : أنهم نطقوا بسبحانك ليدلوا على أنهم المسبحون ( المقدسون المؤمنون ) بذلك فكيف يليق بحالهم أن يضلوا عباده وثالثها : قصدوا به تنزيهه عن الأنداد ، سواء كان وثناً أو نبياً أو ملكاً ورابعها : قصدوا تنزيهه أن يكون مقصوده من هذا السؤال استفادة علم أو إيذاء من كان بريئاً عن الجرم ، بل إنه إنما سألهم تقريعاً للكفار وتوبيخاً لهم . أما قوله : * ( ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء ) * ففيه مسائل : المسألة الأولى : القراءة المعروفة * ( أن نتخذ ) * بفتح النون وكسر الخاء وعن أبي جعفر وابن عامر برفع النون وفتح الخاء على ما لم يسم فاعله ، قال الزجاج أخطأ من قرأ * ( أن نتخذ ) * بضم النون لأن ( من ) إنما تدخل في هذا الباب في الأسماء إذا كان مفعولاً أولاً ولا تدخل على مفعول الحال تقول ما اتخذت من أحد ولياً ، ولا يجوز ما اتخذت أحداً من ولي ، قال صاحب " الكشاف " اتخذ يتعدى إلى مفعول واحد كقولك اتخذ ولياً ، وإلى مفعولين كقولك اتخذ فلاناً ولياً ، قال الله تعالى : * ( واتخذ الله إبراهيم خليلاً ) * ( النساء : 125 ) والقراءة الأولى من المتعدي إلى واحد وهو * ( من أولياء ) * ، والأصل أن نتخذ أولياء فزيدت من لتأكيد معنى النفي ، والثانية من المتعدي إلى مفعولين ، فالأول ما بني له الفعل ، والثاني * ( من
تفسير الرازي — صفحة 62 | فخر الدين الرازي