تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 263

مساهمون:

ص٢٦٣
عابوا عبد الله بن سلام وشتموه وهو يقول سلام عليكم ثم قال : * ( ويدرءون بالحسنة السيئة ) * والمعنى ( يدفعون ) بالطاعة المعصية المتقدمة ، ويحتمل أن يكون المراد دفعوا بالعفو والصفح الأذى ، ويحتمل أن يكون المراد من الحسنة امتناعهم من المعاصي لأن نفس الامتناع حسنة ويدفع به ما لولاه لكان سيئة ، ويحتمل التوبة والإنابة والاستقرار عليها ، ثم قال : * ( ومما رزقناهم ينفقون ) * . واعلم أنه تعالى مدحهم أولاً بالإيمان ثم بالطاعات البدنية في قوله : * ( ويدرءون بالحسنة السيئة ) * ثم بالطاعات المالية في قوله : * ( ومما رزقناهم ينفقون ) * قال القاضي دل هذا المدح على أن الحرام لا يكون رزقاً جوابه : أن كلمة من للتبعيض فدل على أنهم استحقوا المدح بإنفاق بعض ما كان رزقاً ، وعلى هذا التقدير يسقط استدلاله ، ثم لما بين كيفية اشتغالهم بالطاعات والأفعال الحسنة بين كيفية إعراضهم عن الجهال فقال : * ( وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه ) * واللغو ما حقه أن يلغى ويترك من العبث وغيره وكانوا يسمعون ذلك فلا يخوضون فيه بل يعرضون عنه إعراضاً جميلاً فلذلك قال تعالى : * ( وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم ) * وما أحسن ما قال الحسن رحمه الله في أن هذه الكلمة تحية بين المؤمنين ، وعلامة الاحتمال من الجاهلين ، ونظير هذه الآية قوله تعالى : * ( وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً ) * ( الفرقان : 63 ) ثم أكد تعالى ذلك بقوله حاكياً عنهم * ( لا نبتغي الجاهلين ) * والمراد لا نجازيهم بالباطل على باطلهم ، قال قوم نسخ ذلك بالأمر بالقتال وهو بعيد لأن ترك المسافهة مندوب ، وإن كان القتال واجباً .
تفسير الرازي — صفحة 263 | فخر الدين الرازي