تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 65

مساهمون:

ص٦٥
دلالته على ما قال ، ولكنه معارض بآيات الوعد كقوله : * ( إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا ) * ( الكهف : 107 ) فإن قيل آيات الوعيد أولى لأن السارق يقطع على سبيل التنكيل ومن لم يكن مستحقاً للعقاب لا يجوز قطع يده على سبيل التنكيل ، فإذا ثبت أنه مستحق للعقاب ثبت أن استحقاق الثواب أحبط لما بينا أن الجمع بين الاستحقاقين محال . قلنا لا نسلم أن السارق يقطع على سبيل التنكيل ، ألا ترى أنه لو تاب فإنه يقطع لا على سبيل التنكيل بل على سبيل المحنة ، نزلنا عن هذه المقامات ، ولكن قوله تعالى : * ( ومن يظلم منكم ) * إنه خطاب مع قوم مخصوصين معينين فهب أنه لا يعفو عنهم فلم قلت إنه لا يعفو عن غيرهم ؟ أما قوله تعالى : * ( وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق ) * ففيه مسائل : المسألة الأولى : هذا جواب عن قولهم : * ( ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ) * ( الفرقان : 7 ) بين الله تعالى أن هذه عادة مستمرة من الله في كل رسله فلا وجه لهذا الطعن . المسألة الثانية : حق الكلام أن يقال : * ( إلا أنهم ) * بفتح الألف لأنه متوسط والمكسورة لا تليق إلا بالابتداء ، فلأجل هذا ذكروا وجوهاً : أحدها : قال الزجاج : الجملة بعد ( إلا ) صفة لموصوف محذوف ، والمعنى وما أرسلنا قبلك أحداً من المرسلين إلا آكلين وماشين ، وإنما حذف لأن في قوله : * ( من المرسلين ) * دليلاً عليه ، ونظيره قوله تعالى : * ( وما منا إلا له مقام معلوم ) * ( الصافات : 164 ) على معنى وما منا أحد وثانيها : قال الفراء إنه صلة لاسم متروك اكتفى بقوله : * ( من المرسلين ) * عنه ، والمعنى إلا من أنهم كقوله : * ( وما منا إلا له مقام معلوم ) * أي من له مقام معلوم ، وكذلك قوله : * ( وإن منكم إلا واردها ) * ( مريم : 71 ) أي إلا من يردها فعلى قول الزجاج : الموصوف محذوف ، وعلى قول الفراء : الموصول هو المحذوف ، ولا يجوز حذف الموصول وتبقية الصلة عند البصريين ، وثالثها : قال ابن الأنباري : تكسر إن بعد الاستثناء بإضمار واو على تقدير إلا وإنهم ورابعها : قال بعضهم المعنى إلا قيل إنهم . المسألة الثالثة : قرىء * ( يمشون ) * على البناء للمفعول أي تمشيهم حوائجهم أو الناس ، ولو قرىء * ( يمشون ) * لكان أوجه لولا الرواية . أما قوله تعالى : * ( وجعلنا بعضكم لبعض فتنة ) * ففيه مسائل : المسألة الأولى : فيه أقوال : أحدها : أن هذا في رؤساء المشركين وفقراء الصحابة ، فإذا رأى الشريف الوضيع قد أسلم قبله أنف أن يسلم فأقام على كفره لئلا يكون للوضيع السابقة والفضل عليه ، ودليله قوله تعالى : * ( لو كان خيراً ما سبقونا إليه ) * ( الأحقاف : 11 ) وهذا قول الكلبي والفراء والزجاج وثانيها : أن هذا عام في جميع الناس ، روى أبو الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " ويل للعالم من الجاهل ، وويل للسلطان من الرعية ، وويل للرعية من السلطان ، وويل للمالك من