تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 59

مساهمون:

ص٥٩
الله تعالى بأزمنة متطاولة أن الجنة جزاؤهم ومصيرهم . أما قوله تعالى : * ( لهم فيها ما يشاءون خالدين ) * فهو نطير قوله : * ( ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ) * ( فصلت : 31 ) وفيه مسائل : المسألة الأولى : لقائل أن يقول أهل الدرجات النازلة إذا شاهدوا الدرجات العالية لا بد وأن يريدوها ، فإذا سألوها ربهم ، فإن أعطاهم إياها لم يبق بين الناقص والكامل تفاوت في الدرجة ، وإن لم يعطها قدح ذلك في قوله : * ( لهم فيها ما يشاءون ) * وأيضاً فالأب إذا كان ولده في درجات النيران وأشد العذاب إذا اشتهى أن يخلصه الله تعالى من ذلك العذاب فلا بد وأن يسأل ربه أن يخلصه منه ، فإن فعل الله تعالى ذلك قدح في أن عذاب الكافر مخلد ، وإن لم يفعل قدح ذلك في قوله : * ( ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ) * وفي قوله : * ( لهم فيها ما يشاءون ) * وجوابه : أن الله تعالى يزيل ذلك الخاطر عن قلوب أهل الجنة بل يكون اشتغال كل واحد منهم بما فيه من اللذات شاغلاً عن الالتفات إلى حال غيره . المسألة الثانية : شرط نعيم الجنة أن يكون دائماً ، إذ لو انقطع لكان مشوباً بضرب من الغم ولذلك قال المتنبي : أشد الغم عندي في سرور * تيقن عنه صاحبه انتقالا ولذلك اعتبر الخلود فيه فقال : * ( لهم فيها ما يشاءون خالدين ) * . المسألة الثالثة : قوله تعالى : * ( لهم فيها ما يشاءون ) * كالتنبيه على أن حصول المرادات بأسرها لا يكون إلا في الجنة فأما في غيرها فلا يحصل ذلك ، بل لا بد في الدنيا من أن تكون راحاتها مشوبة بالجراحات ، ولذلك قال عليه السلام : " من طلب ما لم يخلق أتعب نفسه ولم يرزق ، فقيل وما هو يا رسول الله ؟ فقال سرور يوم " . أما قوله : * ( كان على ربك وعداً مسؤولاً ) * ففيه مسائل : المسألة الأولى : كلمة ( على ) للوجوب قال عليه السلام : " من نذر وسمى فعليه الوفاء بما سمى " فقوله : * ( كان على ربك ) * يفيد أن ذلك واجب على الله تعالى ، والواجب هو الذي لو لم يفعل لاستحق تاركه بفعله الذم ، أو أنه الذي يكون عدمه ممتنعاً ، فإن كان الوجوب على التفسير الأول كان تركه محالاً ، لأن تركه لما استلزم استحقاق الذم واستحقاق الله تعالى الذم محال ، ومستلزم المحال محال كان ذلك الترك محالاً والمحال غير مقدور ، فلم يكن الله تعالى قادراً على أن لا يفعل فيلزم أن يكون ملجأ إلى الفعل ، وإن كان الوجوب على التفسير الثاني وهو أن يقال الواجب ما يكون عدمه ممتنعاً يكون القول بالإلجاء لازماً ، فلم يكن الله قادراً ، فإن قيل إنه ثبت بحكم الوعد ، فنقول لو لم يفعل لانقلب خبره الصدق كذباً وعلمه جهلاً وذلك محال ، والمؤدي إلى المحال محال فالترك محال فيلزم أن يكون ملجأ إلى الفعل والملجأ إلى الفعل لا يكون قادراً ، ولا يكون مستحقاً للثناء والمدح ،