تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 58

مساهمون:

ص٥٨
والشكور قال الله تعالى : * ( لا نريد منكم جزاء ولا شكوراً ) * ( الإنسان : 9 ) فإن قيل : الجنة اسم لدار الثواب وهي مخلدة فأي فائدة في قوله : * ( جنة الخلد ) * ؟ قلنا الإضافة قد تكون للتمييز وقد تكون لبيان صفة الكمال ، كما يقال الله الخالق البارئ ، وما هنا من هذا الباب . أما قوله : * ( كانت لهم جزاء ومصيراً ) * ففيه مسائل : المسألة الأولى : المعتزلة احتجوا بهذه الآية على إثبات الاستحقاق من وجهين : الأول : أن اسم الجزاء لا يتناول إلا المستحق ، فأما الوعد بمحض التفضيل فإنه لا يسمى جزاء ، والثاني : لو كان المراد من الجزاء الأمر الذي يصيرون إليه بمجرد الوعد فحينئذ لا يبقى بين قوله : * ( جزاء ) * وبين قوله : * ( مصيراً ) * تفاوت فيصير ذلك تكراراً من غير فائدة . قال أصحابنا رحمهم الله لا نزاع في كونه * ( جزاء ) * ، إنما النزاع في أن كونه جزاء ثبت بالوعد أو بالاستحقاق ، وليس في الآية ما يدل على التعيين . المسألة الثانية : قالت المعتزلة الآية تدل على أن الله تعالى لا يعفو عن صاحب الكبيرة من وجهين : الأول : أن صاحب الكبيرة يستحق العقاب فوجب أن لا يكون مستحقاً للثواب ، لأن الثواب هو النفع الدائم الخالص عن شوب الضرر ، والعقاب هو الضرر الدائم الخالص عن شوب النفع ، والجمع بينهما محال ، وما كان ممتنع الوجود امتنع أن يحصل استحقاقه ، فإذن متى ثبت استحقاق العقاب وجب أن يزول استحقاق الثواب فنقول : لو عفا الله عن صاحب الكبيرة لكان إما أن يخرجه من النار ولا يدخله الجنة ، وذلك باطل بالإجماع لأنهم أجمعوا على أن المكلفين يوم القيامة ، إما أن يكونوا من أهل الجنة أو من أهل النار ، لأنه تعالى قال : * ( فريق في الجنة وفريق في السعير ) * ( الشورى : 7 ) وإما أن يخرجه من النار ويدخله الجنة وذلك باطل لأن الجنة حق المتقين لقوله تعالى : * ( كانت لهم جزاء ومصيراً ) * فجعل الجنة لهم ومختصة بهم وبين أنها إنما كانت لهم لكونها جزاء لهم على أعمالهم فكانت حقاً لهم ، وإعطاء حق الإنسان لغيره لا يجوز ، ولما بطلت الأقسام ثبت أن العفو غير جائز أجاب أصحابنا لم لا يجوز أن يقال : المتقون يرضون بإدخال الله أهل العفو في الجنة ؟ فحينئذ لا يمتنع دخولهم فيها ، الوجه الثاني : قالوا : المتقي في عرف الشرع مختص بمن اتقى الكفر والكبائر ، وإن اختلفنا في أن صاحب الكبيرة هل يسمى مؤمناً أم لا ، لكنا اتفقنا على أنه لا يسمى متقياً ، ثم قال في وصف الجنة إنها كانت لهم جزاء ومصيراً وهذا للحصر ، والمعنى أنها مصير للمتقين لا لغيرهم ، وإذا كان كذلك وجب أن لا يدخلها صاحب الكبيرة ، قلنا أقصى ما في الباب أن هذا العموم صريح في الوعيد فتخصه بآيات الوعد . المسألة الثالثة : لقائل أن يقول : إن الجنة ستصير للمتقين جزاء ومصيراً ، لكنها بعد ما صارت كذلك ، فلم قال الله تعالى : * ( كانت لهم جزاء ومصيراً ) * ؟ جوابه من وجهين : الأول : أن ما وعد الله فهو في تحققه كأنه قد كان والثاني : أنه كان مكتوباً في اللوح قبل أن يخلقهم
تفسير الرازي — صفحة 58 | فخر الدين الرازي