المعتزلة فقد احتاجوا إلى التأويل وذكروا فيه وجوهاً : أحدها : قالوا معنى رأتهم ظهرت لهم من قولهم دورهم تتراءى وتتناظر ، وقال عليه السلام : " إن المؤمن والكافر لا تتراءى ناراهما " أي لا تتقابلان لما يجب على المؤمن من مجانبة الكافر والمشرك ، ويقال دور فلان متناظرة ، أي متقابلة وثانيها : أن النار لشدة اضطرامها وغليانها صارت ترى الكفار وتطلبهم وتتغيظ عليهم وثالثها : قال الجبائي : إن الله تعالى ذكر النار وأراد الخزنة الموكلة بتعذيب أهل النار ، لأن الرؤية تصح منهم ولا تصح من النار فهو كقوله : * ( واسأل القرية ) * ( يوسف : 82 ) أراد أهلها .
المسألة الثالثة : لقائل أن يقول التغيظ عبارة عن شدة الغضب وذلك لا يكون مسموعاً ، فكيف قال الله تعالى : * ( سمعوا لها تغيظاً وزفيراً ) * ؟ والجواب عنه من وجوه : أحدها : أن التغيظ وإن لم يسمع فإنه قد يسمع ما يدل عليه من الصوت وهو كقوله : رأيت غضب الأمير على فلان إذا رأى ما يدل عليه ، وكذلك يقال في المحبة فكذا ههنا ، والمعنى سمعوا لها صوتاً يشبه صوت المتغيظ وهو قول الزجاج وثانيها : المعنى علموا لها تغيظاً وسمعوا لها زفيراً وهذا قول قطرب ، وهو كقول الشاعر : مقلداً سيفاً ورمحاً وثالثها : المراد تغيظ الخزنة .
المسألة الرابعة : قال عبيد بن عمير : إن جهنم لتزفر زفرة لا يبقى أحد إلا وترعد فرائصه حتى إن إبراهيم عليه السلام يجثو على ركبتيه ويقول نفسي نفسي .
الصفة الثانية للسعير : قوله تعالى : * ( وإذا ألقوا منها مكاناً ضيقاً مقرنين دعوا هنالك ثبوراً ) * واعلم أن الله سبحانه لما وصف حال الكفار حينما يكونون بالبعد من جهنم وصف حالهم عندما يلقون فيها ، نعوذ بالله منه بما لا شيء أبلغ منه ، وفيه مسائل :
المسألة الأولى : في * ( ضيقاً ) * قراءتان التشديد والتخفيف وهو قراءة ابن كثير . المسألة الثانية : نقل في تفسير الضيق أمور ، قال قتادة : ذكر لنا عبد الله بن عمر قال : " إن جهنم لتضيق على الكافر كضيق الزج على الرمح " وسئل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال : " والذي نفسي بيده إنهم يستكرهون في النار كما يستكره الوتد في الحائط " قال الكلبي : الأسفلون يرفعهم اللهيب ، والأعلون يخفضهم الداخلون فيزدحمون في تلك الأبواب الضيقة ، قال صاحب " الكشاف " : الكرب مع الضيق ، كما أن الروح مع السعة ، ولذلك وصف الله الجنة بأن عرضها السماوات والأرض ، وجاء في الأحاديث " إن لكل مؤمن من القصور والجنان كذا وكذا " ولقد جمع الله على أهل النار أنواع ( البلاء حيث ضم إلى العذاب الشديد الضيق ) .
المسألة الثالثة : قالوا في تفسير قوله تعالى : * ( مقرنين في الأصفاد ) * إن أهل النار مع ما هم فيه من العذاب الشديد والضيق الشديد ، يكونون مقرنين في السلاسل قرنت أيديهم إلى أعناقهم وقيل يقرن مع كل كافر شيطانه في سلسلة ، وفي أرجلهم الأصفاد ، ثم إنه سبحانه حكى عن أهل النار أنهم حين ما يشاهدون هذا النوع من العقاب الشديد دعوا ثبوراً ، والثبور الهلاك ، ودعاؤهم
تفسير الرازي — صفحة 56
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٥٦