تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 51

مساهمون:

ص٥١
* ( اثنا عشر شهراً ) * خبر . وقوله : * ( عند الله ) * في كتاب الله * ( يوم خلق السماوات والأرض ) * ظروف أبدل البعض من البعض ، والتقدير : إن عدة الشهور اثنا عشر شهراً عند الله في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض . والفائدة في ذكر هذه الإبدالات المتوالية تقرير أن ذلك العدد واجب متقرر في علم الله ، وفي كتاب الله من أول ما خلق الله تعالى العالم . الثاني : أن يكون قوله تعالى : * ( في كتاب الله ) * متعلقاً بمحذوف يكون صفة للخبر . تقديره : اثنا عشر شهراً مثبتة في كتاب الله ، ثم لا يجوز أن يكون المراد بهذا الكتاب كتاب من الكتب ، لأنه متعلق بقوله : * ( يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم ) * وأسماء الأعيان لا تتعلق بالظروف ، فلا تقول : غلامك يوم الجمعة ، بل الكتاب ههنا مصدر . والتقدير : إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً في كتاب الله ، أي في حكمه الواقع يوم خلق السماوات . والثالث : أن يكون الكتاب اسماً . وقوله : * ( يوم خلق السماوات ) * متعلق بفعل محذوف . والتقدير : إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً مكتوباً في كتاب الله كتبه يوم خلق السماوات والأرض . المسألة الثالثة : في تفسير أحكام الآية : * ( إن عدة الشهور عند الله ) * أي في علمه * ( اثنا عشر شهراً في كتاب الله ) * وفي تفسير كتاب الله وجوه : الأول : قال ابن عباس : إن اللوح المحفوظ الذي كتب فيه أحوال مخلوقاته بأسرها على التفصيل ، وهو الأصل للكتب التي أنزلها الله على جميع الأنبياء عليهم السلام . الثاني : قال بعضهم : المراد من الكتاب القرآن ، وقد ذكرنا آيات تدل على أن السنة المعتبرة في دين محمد صلى الله عليه وسلم هي السنة القمرية وإذا كان كذلك كان هذا الحكم مكتوباً في القرآن . الثالث : قال أبو مسلم : * ( في كتاب الله ) * أي فيما أوجبه وحكم به ، والكتاب في هذا الموضع هو الحكم والإيجاب ، كقوله تعالى : * ( كتب عليكم القتال ) * ( البقرة : 216 ) * ( كتب عليكم القصاص ) * ( البقرة : 178 ) * ( كتب ربكم على نفسه الرحمة ) * ( الأنعام : 54 ) قال القاضي : هذا الوجه بعيد ، لأنه تعالى جعل الكتاب في هذه الآية كالظرف ، وإذا حمل الكتاب على الحساب لم يستقم ذلك إلا على طريق المجاز ، ويمكن أن يجاب عنه : بأنه وإن كان مجازاً ، إلا أنه مجاز متعارف . يقال : إن الأمر كذا وكذا في حساب فلان وفي حكمه . وأما قوله : * ( يوم خلق السماوات والأرض ) * فقد ذكرنا في المسألة الثانية وجوهاً فيما يتعلق به والأقرب ما ذكرناه في الوجه الثالث ، وهو أن يكون المراد أنه كتب هذا الحكم وحكم به يوم خلق السماوات والأرض ، والمقصود بيان أن هذا الحكم حكم محكوم به من أول خلق العالم ، وذلك يدل على المبالغة والتأكيد .
تفسير الرازي — صفحة 51 | فخر الدين الرازي