بكثرة تلك الأموال . فلهذا المعنى نهاه الله عن ذلك الإعجاب بفاء التعقيب ، فقال : * ( فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم ) * وأما ههنا فلا تعلق لهذا الكلام بما قبله فجاء بحرف الواو .
وأما النوع الثاني : وهو أنه تعالى قال في الآية الأولى : * ( فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم ) * فالسبب فيه أن مثل هذا الترتيب يبتدأ بالأدون ثم يترقى إلى الأشرف ، فيقال لا يعجبني أمر الأمير ولا أمر الوزير ، وهذا يدل على أنه كان إعجاب أولئك الأقوام بأولادهم فوق إعجابهم بأموالهم ، وفي هذه الآية يدل على عدم التفاوت بين الأمرين عندهم .
أما النوع الثالث : وهو أنه قال هناك : * ( إنما يريد الله ليعذبهم ) * وههنا قال : * ( إنما يريد الله أن يعذبهم ) * فالفائدة فيه التنبيه على أن التعليل في أحكام الله تعالى محال ، وأنه أينما ورد حرف التعليل فمعناه " أن " كقوله : * ( وما أمروا إلا ليعبدوا الله ) * ( البينة : 5 ) أي وما أمروا إلا بأن يعبدوا الله . وأما النوع الرابع : وهو أنه ذكر في الآية الأولى * ( في الحياة الدنيا ) * وههنا ذكر * ( في الدنيا ) * وأسقط لفظ الحياة ، تنبيهاً على أن الحياة الدنيا بلغت في الخسة إلى أنها لا تستحق أن تسمى حياة ، بل يجب الاقتصار عند ذكرها على لفظ الدنيا تنبيهاً على كمال دناءتها ، فهذه وجوه في الفرق بين هذه الألفاظ ، والعالم بحقائق القرآن هو الله تعالى .
وأما المقام الثاني : وهو بيان حكمة التكرير فهو أن أشد الأشياء جذباً للقلوب وجلباً للخواطر ، إلى الاشتغال بالدنيا ، هو الاشتغال بالأموال والأولاد ، وما كان كذلك يجب التحذير عنه مرة بعد أخرى ، إلا أنه لما كان أشد الأشياء في المطلوبية والمرغوبية للرجل المؤمن هو مغفرة الله تعالى ، لا جرم أعاد الله قوله : * ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) * في سورة النساء مرتين ، وبالجملة فالتكرير يكون لأجل التأكيد فههنا للمبالغة في التحذير ، وفي آية المغفرة للمبالغة في التفريح ، وقيل أيضاً إنما كرر هذا المعنى لأنه أراد بالآية الأولى قوماً من المنافقين لهم أموال وأولاد في وقت نزولها ، وأراد بهذه الآية أقواماً آخرين ، والكلام الواحد إذا احتيج إلى ذكره مع أقوام كثيرين في أوقات مختلفة ، لم يكن ذكره مع بعضهم مغنياً عن ذكره مع الآخرين .
* ( وَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ ءَامِنُواْ باِللَّهِ وَجَاهِدُواْ مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُوْلُواْ الطَّوْلِ
تفسير الرازي — صفحة 155
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص١٥٥