تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 153

مساهمون:

ص١٥٣
عليه . وأما دفع القميص إليه فذكروا فيه وجوهاً : الأول : أن العباس عم رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أخذ أسيراً ببدر ، لم يجدوا له قميصاً ، وكان رجلاً طويلاً ، فكساه عبد الله قميصه . الثاني : أن المشركين قالوا له يوم الحديبية ، إنا لا ننقاد لمحمد ولكنا ننقاد لك ، فقال لا ، إن لي في رسول الله أسوة حسنة ، فشكر رسول الله له ذلك . والثالث : أن الله تعالى أمره أن لا يرد سائلاً بقوله : * ( وأما السائل فلا تنهر ) * ( الضحى : 10 ) فلما طلب القميص منه دفعه إليه لهذا المعنى . الرابع : أن منع القميص لا يليق بأهل الكرم . الخامس : أن ابنه عبد الله بن عبد الله بن أبي ، كان من الصالحين ، وأن الرسول أكرمه لمكان ابنه . السادس : لعل الله تعالى أوحى إليه أنك إذا دفعت قميصك إليه صار ذلك حاملاً لألف نفر من المنافقين في الدخول في الإسلام ففعل ذلك لهذا الغرض ، وروى أنهم لما شاهدوا ذلك أسلم ألف من المنافقين . السابع : أن الرحمة والرأفة كانت غالبة عليه كما قال : * ( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ) * ( الأنبياء : 107 ) وقال : * ( فبما رحمة من الله لنت لهم ) * ( آل عمران : 159 ) فامتنع من الصلاة عليه رعاية لأمر الله تعالى ، ودفع إليه القميص لإظهار الرحمة والرأفة . إذا عرفت هذا فنقول : قوله : * ( ولا تصل على أحد منهم مات أبداً ) * قال الواحدي : * ( مات ) * في موضع جر لأنه صفة للنكرة كأنه قيل على أحد منهم ميت وقوله : * ( أبداً ) * متعلق بقوله : * ( أحد ) * والتقدير ولا تصل أبداً على أحد منهم . واعلم أن قوله : ولا تصل أبداً يحتمل تأييد النفي ويحتمل تأييد المنفي ، والمقصود هو الأول ، لأن قرائن هذه الآيات دالة على أن المقصود منعه من أن يصلي على أحد منهم منعاً كلياً دائماً . ثم قال تعالى : * ( ولا تقم على قبره ) * وفيه وجهان : الأول : قال الزجاج : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دفن الميت وقف على قبره ودعا له ، فمنع ههنا منه . الثاني : قال الكلبي لا تقم بإصلاح مهمات قبره ، وهو من قولهم ، قام فلان بأمر فلان إذا كفاه أمره وتولاه ، ثم إنه تعالى علل المنع من الصلاة عليه والقيام على قبره بقوله : * ( إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون ) * وفيه سؤالات : السؤال الأول : الفسق أدنى حالاً من الكفر ، ولما ذكر في تعليل هذا النهي كونه كافراً فما الفائدة في وصفه بعد ذلك بكونه فاسقاً ؟ والجواب أن الكافر قد يكون عدلاً في دينه . وقد يكون فاسقاً في دينه خبيثاً ممقوتاً عند قومه ، والكذب والنفاق والخداع والمكر والكيد ، أمر مستقبح في جميع الأديان ، فالمنافقون لما كانوا موصوفين بهذه الصفات وصفهم الله تعالى بالفسق بعد أن وصفهم بالكفر ، تنبيهاً على أن