تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 157

مساهمون:

ص١٥٧
* ( فاقعدوا مع الخالفين ) * وههنا فيه وجهان : الأول : قال الفراء : * ( الخوالف ) * عبارة عن النساء اللاتي تخلفن في البيت فلا يبرحن ، والمعنى : رضوا بأن يكونوا في تخلفهم عن الجهاد كالنساء . الثاني : يجوز أيضاً أن يكون الخوالف جمع خالفة في حال . والخالفة الذي هو غير نجيب . قال الفراء : ولم يأت فاعل صيغة جمعه فواعل ، إلا حرفان : فارس وفوارس ، وهالك وهوالك ، والقول الأول أولى ، لأن أدل على القلة والذلة . قال المفسرون : وكان يصعب على المنافقين تشبيههم بالخوالف . ثم قال : * ( وطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون ) * وقد عرفت أن الطبع والختم عبارة عندنا عن حصول الداعية القوية للكفر المانعة من حصول الإيمان ، وذلك لأن الفعل بدون الداعي لما كان محالاً ، فعند حصول الداعية الراسخة القوية للكفر ، صار القلب كالمطبوع على الكفر ، ثم حصول تلك الداعية إن كان من العبد لزم التسلسل ، وإن كان من الله فالمقصود حاصل . وقال الحسن : الطبع عبارة عن بلوغ القلب في الميل في الكفر إلى الحد الذي كأنه مات عن الإيمان ، وعند المعتزلة عبارة عن علامة تحصل في القلب ، والاستقصاء فيه مذكور في سورة البقرة في قوله : * ( ختم الله على قلوبهم ) * وقوله : * ( فهم لا يفقهون ) * أي لا يفهمون أسرار حكمة الله في الأمر بالجهاد . * ( لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ جَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الاَْنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) * . واعلم أنه تعالى لما شرح حال المنافقين في الفرار عن الجهاد بين أن حال الرسول والذين آمنوا معه بالضد منه ، حيث بذلوا المال والنفس في طلب رضوان الله والتقرب إليه . وقوله : * ( لكن ) * فيه فائدة ، وهي : أن التقدير أنه إن تخلف هؤلاء المنافقون عن الغزو ، فقد توجه من هو خير منهم ، وأخلص نية واعتقاداً ، كقوله : * ( فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوماً ) * ( الأنعام : 89 ) وقوله : * ( فإن استكبروا فالذين عند ربك ) * ( فصلت : 38 ) ولما وصفهم بالمسارعة إلى الجهاد ذكر ما حصل لهم من الفوائد والمنافع . وهو أنواع : أولها : قوله : * ( وأولئك لهم الخيرات ) * واعلم أن لفظ الخيرات ، يتناول منافع الدارين ، لأجل
تفسير الرازي — صفحة 157 | فخر الدين الرازي