موصوفين بالمكر والخداع ، لأنه عليه السلام إنما منعهم من الخروج حذراً من مكرهم وكيدهم وخداعهم ، فصار هذا المعنى من هذا الوجه جارياً مجرى اللعن والطرد ، ونظيره قوله تعالى : * ( سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها ) * ( الفتح : 15 ) إلى قوله : * ( قل لن تتبعونا ) * ثم إنه تعالى علل ذلك المنع بقوله : * ( إنكم رضيتم بالقعود أول مرة ) * والمراد منه القعود عن غزوة تبوك ، يعني أن الحاجة في المرة الأولى إلى موافقتكم كانت أشد ، وبعد ذلك زالت تلك الحاجة ، فلما تخلفتم عند مسيس الحاجة إلى حضوركم ، فعند ذلك لا نقبلكم ، ولا نلتفت إليكم ، وفي اللفظ بحث ذكره صاحب " الكشاف " ، وهو أن قوله : * ( مرة ) * في * ( أول مرة ) * وضعت موضع المرات ، ثم أضيف لفظ الأول إليها ، وهو دال على واحدة من المرات ، فكان الأولى أن يقال أولى مرة .
وأجاب : عنه بأن أكثر اللغتين أن يقال : هند أكبر النساء ، ولا يقال هند كبرى النساء .
ثم قال تعالى : * ( فاقعدوا مع الخالفين ) * ذكروا في تفسير الخالف أقوالاً : الأول : قال الأخفش وأبو عبيدة : الخالفون جمع . واحدهم خالف ، وهو من يخلف الرجل في قومه ، ومعناه مع الخالفين من الرجال الذين يخلفون في البيت ، فلا يبرحون ، والثاني : أن الخالفين مفسر بالمخالفين . قال الفراء يقال عبد خالف وصاحب خالف إذا كان مخالفاً . وقال الأخفش : فلان خالفة أهل بيته إذا كان مخالفاً لهم . وقال الليث هذا الرجل خالفة ، أي مخالف كثير الخلاف ، وقوم خالفون ، فإذا جمعت قلت الخالفون .
والقول الثالث : الخالف هو الفاسد . قال الأصمعي : يقال : خلف عن كل خير يخلف خلوفاً إذا فسد ، وخلف اللبن وخلف النبيذ إذا فسد .
وإذا عرفت هذه الوجوه الثلاثة : فلا شك أن اللفظ يصلح حمله على كل واحد منها ، لأن أولئك المنافقين كانوا موصوفين بجميع هذه الصفات .
واعلم أن هذه الآية تدل على أن الرجل إذا ظهر له من بعض متعلقيه مكر وخداع وكيد ورآه مشدداً فيه مبالغاً في تقرير موجباته ، فإنه يجب عليه أن يقطع العلقة بينه وبينه ، وأن يحترز عن مصاحبته .
* ( وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً وَلاَ تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ ) * .
تفسير الرازي — صفحة 151
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص١٥١