تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 150

مساهمون:

ص١٥٠
فكيف بأن تلقى مسرة ساعة * وراء تقضيها مساءة أحقاب ثم قال تعالى : * ( فليضحكوا قليلاً وليبكوا كثيراً ) * وهذا وإن ورد بصيغة الأمر إلا أن معناه الإخبار بأنه ستحصل هذه الحالة ، والدليل عليه قوله بعد ذلك : * ( جزاء بما كانوا يكسبون ) * ومعنى الآية أنهم ، وإن فرحوا وضحكوا في كل عمرهم ، فهذا قليل لأن الدنيا بأسرها قليلة ، وأما حزنهم وبكاؤهم في الآخرة فكثير ، لأنه عقاب دائم لا ينقطع ، والمنقطع بالنسبة إلى الدائم قليل ، فلهذا المعنى قال : * ( فليضحكوا قليلاً وليبكوا كثيراً ) * قال الزجاج : قوله : * ( جزاء ) * مفعول له ، والمعنى وليبكوا لهذا الغرض . وقوله : * ( بما كانوا يكسبون ) * أي في الدنيا من النفاق واستدلال المعتزلة بهذه الآية على كون العبد موجداً لأفعاله ، وعلى أنه تعالى لو أوصل الضرر إليهم ابتداء لا بواسطة كسبهم لكان ظالماً ، مشهور ، وقد تقدم الرد عليهم قبل ذلك مراراً تغني عن الإعادة . * ( فَإِن رَّجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَآئِفَةٍ مِّنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِىَ أَبَدًا وَلَن تُقَاتِلُواْ مَعِىَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ باِلْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُواْ مَعَ الْخَالِفِينَ ) * . واعلم أنه تعالى لما بين مخازي المنافقين وسوء طريقتهم بين بعد ما عرف به الرسول أن الصلاح في أن لا يستصحبهم في غزواته ، لأن خروجهم معه يوجب أنواعاً من الفساد . فقال : * ( فإن رجعك الله طائفة منهم ) * أي من المنافقين * ( فقل لن تخرجوا معي أبداً ) * قوله : * ( فإن رجعك الله ) * يريد إن ردك الله إلى المدينة ، ومعنى الرجع مصير الشيء إلى المكان الذي كان فيه ، يقال رجعته رجعاً كقولك رددته رداً . وقوله : * ( إلى طائفة منهم ) * إنما خصص لأن جميع من أقام بالمدينة ما كانوا منافقين ، بل كان بعضهم مخلصين معذورين . وقوله : * ( فاستأذنوك للخروج ) * أي للغزو معك * ( فقل لن تخرجوا معي أبداً ) * إلى غزوة ، وهذا يجري مجرى الذم واللعن لهم ، ومجري إظهار نفاقهم وفضائحهم ، وذلك لأن ترغيب المسلمين في الجهاد أمر معلوم بالضرورة من دين محمد عليه السلام ، ثم إن هؤلاء إذا منعوا من الخروج إلى الغزو بعد إقدامهم على الاستئذان ، كان ذلك تصريحاً بكونهم خارجين عن الإسلام