والجواب من وجوه : الأول : أن الرسول عليه السلام منع أقواماً من الخروج معه لعلمه بأنهم يفسدون ويشوشون ، فهؤلاء كانوا مخلفين لا متخلفين . والثاني : أن أولئك المتخلفين صاروا مخلفين في الآية التي تأتي بعد هذه الآية ، وهي قوله : * ( فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبداً ولن تقاتلوا معي عدواً ) * ( التوبة : 83 ) فلما منعهم الله تعالى من الخروج معه صاروا بهذا السبب مخلفين . الثالث : أن من يتخلف عن الرسول عليه السلام بعد خروجه إلى الجهاد مع المؤمنين يوصف بأنه مخلف من حيث لم ينهض فبقي وأقام . وقوله : * ( بمقعدهم ) * قال ابن عباس رضي الله عنهما : يريد المدينة ، فعلى هذا المقعد اسم للمكان . وقال مقاتل : * ( بمقعدهم ) * بقعودهم وعلى هذا ، هو اسم للمصدر . وقوله : * ( خلاف رسول الله ) * فيه قولان : الأول : وهو قول قطرب والمؤرج والزجاج ، يعني مخالفة لرسول الله حين سار وأقاموا . قالوا : وهو منصوب لأنه مفعول له ، والمعنى بأن قعدوا لمخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم . والثاني : قال الأخفش : إن * ( خلاف ) * بمعنى خلف ، وأن يونس رواه عن عيسى بن عمر ومعناه بعد رسول الله ، ويقوي هذا الوجه قراءة من قرأ * ( خلف رسول الله ) * وعلى هذا القول ، الخلاف اسم للجهة المعينة كالخلف ، والسبب فيه أن الإنسان متوجه إلى قدامه فجهة خلفه مخالفة لجهة قدامه في كونها جهة متوجهاً إليها ، وخلاف بمعنى خلف مستعمل أنشد أبو عبيدة للأحوص : عقب الربيع خلافهم فكأنما * بسط الشواطب بينهن حصيرا
وقوله : * ( وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله ) * والمعنى أنهم فرحوا بسبب التخلف وكرهوا الذهاب إلى الغزو .
واعلم أن الفرح بالإقامة على كراهة الذهاب إلا أنه تعالى أعاده للتأكيد ، وأيضاً لعل المراد أنه مال طبعه إلى الإقامة لأجل إلفه تلك البلدة واستئناسه بأهله وولده وكره الخروج إلى الغزو لأنه تعريض للمال والنفس للقتل والإهدار ، وأيضاً مما منعهم من ذلك الخروج شدة الحر في وقت خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو المراد من قوله : * ( وقالوا لا تنفروا في الحر ) * .
فأجاب الله تعالى عن هذا السبب الأخير بقوله : * ( قل نار جهنم أشد حراً لو كانوا يفقهون ) * أي إن بعد هذه الدار داراً أخرى ، وإن بعد هذه الحياة حياة أخرى ، وأيضاً هذه مشقة منقضية ، وتلك مشقة باقية ، وروى صاحب " الكشاف " لبعضهم : مسرة أحقاب تلقيت بعدها * مساءة يوم أنها شبه أنصاب
تفسير الرازي — صفحة 149
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص١٤٩