لا يكون مؤثراً في الوجود . وأما ثانياً : فلأن هذا البخل والتولي والإعراض قد يوجد في حق كثير من الفساق ، مع أنه لا يحصل معه النفاق . وأما ثالثاً : فلأن هذا الترك لو أوجب حصول الكفر في القلب لأوجبه سواء كان هذا الترك جائزاً شرعاً أو كان محرماً شرعاً ، لأن سبب اختلاف الأحكام الشرعية لا يخرج المؤثر عن كونه مؤثراً . وأما رابعاً : فلأنه تعالى قال بعد هذه الآية * ( بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون ) * فلو كان فعل الأعقاب مسند إلى البخل والتولي والإعراض لصار تقدير الآية فأعقبهم بخلهم وإعراضهم وتوليهم نفاقاً في قلوبهم بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون ، وذلك لا يجوز ، لأنه فرق بين التولي وحصول النفاق في القلب بسبب التولي ومعلوم أنه كلام باطل . فثبت بهذه الوجوه أنه لا يجوز إسناد هذا الإعقاب إلى شيء من الأشياء التي تقدم ذكرها إلا إلى الله سبحانه ، فوجب إسناده إليه ، فصار المعنى أنه تعالى هو الذي يعقب النفاق في قلوبهم ، وذلك يدل على أن خالق الكفر في القلوب هو الله تعالى ، وهذا هو الذي قال الزجاج إن معناه : أنهم لما ضلوا في الماضي ، فهو تعالى أضلهم عن الدين في المستقبل ، والذي يؤكد القول بأن قوله * ( فأعقبهم نفاقاً ) * مسند إلى الله جل ذكره أنه قال : * ( إلى يوم يلقونه ) * والضمير في قوله تعالى : * ( يلقونه ) * عائد إلى الله تعالى ، فكان الأولى أن يكون قوله : * ( فأعقبهم ) * مسنداً إلى الله تعالى . قال القاضي : المراد من قوله : * ( فأعقبهم نفاقاً في قلوبهم ) * أي فأعقبهم العقوبة على النفاق ، وتلك العقوبة هي حدوث الغم في قلوبهم وضيق الصدر وما ينالهم من الذل والذم ، ويدوم ذلك بهم إلى الآخرة . قلنا : هذا بعيد لأنه عدول عن الظاهر من غير حجة ولا شبهة ، فإن ذكر أن الدلائل العقلية دلت على أن الله تعالى لا يخلق الكفر ، قابلنا دلائلهم بدلائل عقلية ، لو وضعت على الجبال الراسيات لاندكت .
المسألة الثانية : قال الليث : يقال : أعقبت فلاناً ندامة إذا صيرت عاقبة أمره ذلك . قال الهذلي : أودى بني وأعقبوني حسرة * بعد الرقاد وعبرة لا تقلع
ويقاتل : أكل فلان أكلة أعقبته سقماً ، وأعقبه الله خيراً . وحاصل الكلام فيه أنه إذا حصل شيء عقيب شيء آخر يقال أعقبه الله .
المسألة الثالثة : ظاهر هذه الآية يدل على أن نقض العهد وخلف الوعد يورث النفاق فيجب على المسلم أن يبالغ في الاحتراز عنه فإذا عاهد الله في أمر فليجتهد في الوفاء به ، ومذهب الحسن البصري رحمة الله أنه يوجب النفاق لا محالة ، وتمسك فيه بهذه الآية وبقوله عليه السلام : " ثلاث من
تفسير الرازي — صفحة 142
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص١٤٢