تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 144

مساهمون:

ص١٤٤
الرؤية لقاء ، كما أن الإدراك هو البلوغ . قال تعالى : * ( قال أصحاب موسى إنا لمدركون ) * ( الشعراء : 61 ) أي لملحقون ، ثم حملناه على الرؤية فكذا ههنا ، ثم نقول : لا شك أن اللقاء ههنا ليس هو الرؤية ، بل المقصود أنه تعالى * ( أعقبهم نفاقاً إلى يوم يلقونه ) * أي حكمه وقضاءه ، وهو كقول الرجل ستلقى عملك غداً ، أي تجازى عليه ، قال تعالى : * ( بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون ) * والمعنى : أنه تعالى عاقبهم بتحصيل ذلك النفاق في قلوبهم لأجل أنهم أقدموا قبل ذلك على خلف الوعد وعلى الكذب . ثم قال تعالى : * ( ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم ) * والسر ما ينطوي عليه صدورهم ، والنجوى ما يفاوض فيه بعضهم بعضاً فيما بينهم ، وهو مأخوذ من النجوة وهو الكلام الخفي كأن المتناجيين منعا إدخال غيرهما معهما وتباعدا من غيرهما ، ونظيره قوله تعالى : * ( وقربناه نجيا ) * ( مريم : 52 ) وقوله : * ( فلما استيأسوا منه خلصوا نجياً ) * ( يوسف : 80 ) وقوله : * ( فلا تتناجوا بالإثم والعدوان . . . وتناجوا بالبر والتقوى ) * ( المجادلة : 9 ) وقوله : * ( إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة ) * ( المجادلة : 12 ) . إذا عرفت الفرق بين السر والنجوى ، فالمقصود من الآية كأنه تعالى قال : ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم يكفي يتجرؤن على النفاق الذي الأصل فيه الاستسرار والتناجي فيما بينهم مع علمهم بأنه تعالى يعلم ذلك من حالهم كما يعلم الظاهر ، وأنه يعاقب عليه كما يعاقب على الظاهر ؟ ثم قال : * ( وأن الله علام الغيوب ) * والعلام مبالغة في العالم ، والغيب ما كان غائباً عن الخلق . والمراد أنه تعالى ذاته تقتضي العلم بجميع الأشياء . فوجب أن يحصل له العلم بجميع المعلومات ، فيجب كونه عالماً بما في الضمائر والسرائر ، فكيف يمكن الإخفاء منه ؟ ونظير لفظ علام الغيوب ههنا قول عيسى عليه السلام : * ( إنك أنت علام الغيوب ) * ( المائدة : 116 ) فأما وصف الله بالعلامة فإنه لا يجوز لأنه مشعر بنوع تكلف فيها يعلم والتكلف في حق الله محال . * ( الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) * . اعلم أن هذا نوع آخر من أعمالهم القبيحة ، وهو لمزهم من يأتي بالصدقات طوعاً وطبعاً . قال ابن عباس رضي الله عنهما : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبهم ذات يوم وحث على أن
تفسير الرازي — صفحة 144 | فخر الدين الرازي