تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 139

مساهمون:

ص١٣٩
ثم لم يقبلها عمر اقتداء بأبي بكر ، ثم لم يقبلها عثمان ، وهلك ثعلبة في خلافة عثمان . فإن قيل : إن الله تعالى أمره بإخراج الصدقة ، فكيف يجوز من الرسول عليه السلام أن لا يقبلها منه ؟ قلنا : لا يبعد أن يقال : إنه تعالى منع الرسول عليه السلام عن قبول الصدقة منه على سبيل الإهانة له ليعتبر غيره به ، فلا يمتنع عن أداء الصدقات ، ولا يبعد أيضاً أنه إنما أتى بتلك الصدقة على وجه الرياء ، لا على وجه الإخلاص ؛ وأعلم الله الرسول عليه السلام ذلك فلم يقبل تلك الصدقة ، لهذا السبب ، ويحتمل أيضاً أنه تعالى لما قال : * ( خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها ) * وكان هذا المقصود غير حاصل في ثعلبة مع نفاقه ، فلهذا السبب امتنع رسول الله عليه السلام من أخذ تلك الصدقة . والله أعلم . المسألة الثانية : ظاهر الآية يدل على أن بعض المنافقين عاهد الله في أنه لو آتاه مالاً لصرف بعضه إلى مصارف الخيرات ، ثم إنه تعالى آتاه المال ، وذلك الإنسان ما وفى بذلك العهد ، وههنا سؤالات : السؤال الأول : المنافق كافر ، والكافر كيف يمكنه أن يعاهد الله تعالى ؟ والجواب : المنافق قد يكون عارفاً بالله ، إلا أنه كان منكراً لنبوة محمد عليه السلام ، فلكونه عارفاً بالله يمكنه أن يعاهد الله ، ولكونه منكراً لنبوة محمد عليه الصلاة والسلام ، كان كافراً . وكيف لا أقول ذلك وأكثر هذا العالم مقرون بوجود الصانع القادر ؟ ويقل في أصناف الكفار من ينكره ، والكل معترفون بأنه تعالى هو الذي يفتح على الإنسان أبواب الخيرات ، ويعلمون أنه يمكن التقرب إليه بالطاعات وأعمال البر والإحسان إلى الخلق ، فهذه أمور متفق عليها بين الأكثرين ، وأيضاً فلعله حين عاهد الله تعالى بهذا العهد كان مسلماً ، ثم لما بخل بالمال ، ولم يف بالعهد صار منافقاً ، ولفظ الآية مشعر بما ذكرناه حيث قال : * ( فأعقبهم نفاقاً ) * . السؤال الثاني : هل من شرط هذه المعاهدة أن يحصل التلفظ بها باللسان ، أو لا حاجة إلى التلفظ حتى لو نواه بقلبه دخل تحت هذه المعاهدة ؟ الجواب : منهم من قال : كل ما ذكره باللسان أو لم يذكره ، ولكن نواه بقلبه فهو داخل في هذا العهد . يروى عن المعتمر بن سليمان قال : أصابتنا ريح شديدة في البحر ، فنذر قوم منا أنواعاً من النذور ، ونويت أنا شيئاً وما تكلمت به ، فلما قدمت البصرة سألت أبي ، فقال : يا بني فبه . وقال أصحاب هذا القول إن قوله : * ( ومنهم من عاهد الله ) * كان شيئاً نووه في أنفسهم ، ألا ترى أنه