تعالى قال : * ( ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم ) * وقال المحققون : هذه المعاهدة مقيدة بما إذا حصل التلفظ بها باللسان ، والدليل عليه قوله عليه السلام : " إن الله عفا عن أمتي ما حدثت به نفوسها ولم يتلفظوا به " أو لفظ هذا معناه وأيضاً فقوله تعالى : * ( ومنهم من عاهد الله لئن آتانا الله من فضله لنصدقن ) * إخبار عن تكلمه بهذا القول ، وظاهره مشعر بالقول باللسان .
السؤال الثالث : قوله : * ( لنصدقن ) * المراد منه إخراج مال ، ثم إن إخراج المال على قسمين قد يكون واجباً ، وقد يكون غير واجب . والواجب قسمان : قسم وجب بإلزام الشرع ابتداء ، كإخراج الزكاة الواجبة ، وإخراج النفقات الواجبة ، وقسم لم يجب إلا إذا التزمه العبد من عند نفسه مثل النذور .
إذا عرفت هذه الأقسام الثلاثة ، فقوله : * ( لنصدقن ) * هل يتناول الأقسام الثلاثة ، أوليس الأمر كذلك ؟
والجواب : قلنا أما الصدقات التي لا تكون واجبة ، فغير داخلة تحت هذه الآية ، والدليل عليه أنه تعالى وصفه بقوله : * ( بخلوا به ) * والبخل في عرف الشرع عبارة عن منع الواجب ، وأيضاً أنه تعالى ذمهم بهذا الترك وتارك المندوب لا يستحق الذم . وأما القسمان الباقيان ، فالذي يجب بإلزام الشرع داخل تحت الآية لا محالة ، وهو مثل الزكوات والمال الذي يحتاج إلى إنفاقه في طريق الحج والغزو ، والمال الذي يحتاج إليه في النفقات الواجبة .
بقي أن يقال : هل تدل هذه الآية على أن ذلك القائل ، كان قد التزم إخراج مال على سبيل النذر ؟ والأظهر أن اللفظ لا يدل عليه ، لأن المذكور في اللفظ ليس إلا قوله : * ( لئن آتانا من فضله لنصدقن ) * وهذا لا يشعر بالنذر ، لأن الرجل قد يعاهد ربه في أن يقوم بما يلزمه من الإنفاقات الواجبة إن وسع الله عليه ، فدل هذا على أن الذي لزمهم إنما لزمهم بسبب هذا الالتزام ، والزكاة لا تلزم بسبب هذا الالتزام ، وإنما تلزم بسبب ملك النصاب وحولان الحول .
قلنا : قوله : * ( لنصدقن ) * لا يوجب أنهم يفعلون ذلك على الفور ، لأن هذا إخبار عن إيقاع هذا الفعل فس المستقبل ، وهذا القدر لا يوجب الفور ، فكأنهم قالوا : لنصدقن في وقت كما قالوا * ( ولنكونن من الصالحين ) * أي في أوقات لزوم الصلاة ، فخرج من التقدير الذي ذكرناه أن الداخل تحت هذا العهد ، إخراج الأموال التي يجب إخراجها بمقتضى إلزام الشرع ابتداء ، ويتأكد ذلك بما روينا أن هذه الآية إنما نزلت في حق من امتنع من أداء الزكاة ، فكأنه تعالى بين من حال هؤلاء المنافقين أنهم كما ينافقون الرسول والمؤمنين ، فكذلك ينافقون ربهم فيما يعاهدونه عليه ، ولا يقومون بما يقولون
تفسير الرازي — صفحة 140
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص١٤٠