تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 121

مساهمون:

ص١٢١
لم أعرف منهم أحداً ، فذكر النبي صلى الله عليه وسلم أسماءهم وعدهم له ، وقال : " إن جبريل أخبرني بذلك " فقال حذيفة : ألا تبعث إليهم ليقتلوا ، فقال : " أكره أن تقول العرب قاتل محمد بأصحابه حتى إذا ظفر صار يقتلهم بل يكفينا الله ذلك " . فإن قيل : المنافق كافر فكيف يحذر نزول الوحي على الرسول . قلنا : فيه وجوه : الأول : قال أبو مسلم : هذا حذر أظهره المنافقون على وجه الاستهزاء حين رأوا الرسول عليه الصلاة والسلام يذكر كل شيء ويدعي أنه عن الوحي ، وكان المنافقون يكذبون بذلك فيما بينهم ، فأخبر الله رسوله بذلك وأمره أن يعلمهم أنه يظهر سرهم الذي حذروا ظهوره ، وفي قوله : * ( استهزئوا ) * دلالة على ما قلناه . الثاني : أن القوم وإن كانوا كافرين بدين الرسول إلا أنهم شاهدوا أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يخبرهم بما يضمرونه ويكتمونه ، فلهذه التجربة وقع الحذر والخوف في قلوبهم . الثالث : قال الأصم : أنهم كانوا يعرفون كونه رسولاً صادقاً من عند الله تعالى ، إلا أنهم كفروا به حسداً وعناداً . قال القاضي : يبعد في العالم بالله وبرسوله وصحة دينه أن يكون محاداً لهما . قال الداعي إلى الله : هذا غير بعيد لأن الحسد إذا قوي في القلب صار بحيث ينازع في المحسوسات ، الرابع : معنى الحذر الأمر بالحذر ، أي ليحذر المنافقون ذلك . الخامس : أنهم كانوا شاكين في صحة نبوته وما كانوا قاطعين بفسادها . والشاك خائف ، فلهذا السبب خافوا أن ينزل عليه في أمرهم ما يفضحهم ، ثم قال صاحب " الكشاف " : الضمير في قوله : * ( عليهم ) * و * ( تنبئهم ) * للمؤمنين ، وفي قوله : * ( في قلوبهم ) * للمنافقين ويجوز أيضاً أن تكون الضمائر كلها للمنافقين ، لأن السورة إذا نزلت في معناهم فهي نازلة عليهم ، ومعنى * ( تنبئهم بما في قلوبهم ) * أن السورة كأنها تقول لهم في قلوبهم كيت وكيت ، يعني أنها تذيع أسرارهم إذاعة ظاهرة فكأنها تخبرهم . ثم قال : * ( قل استهزؤوا ) * وهو أمر تهديد كقوله : * ( وقل اعملوا ) * ( التوبة : 105 ) * ( إن الله مخرج ما تحذرون ) * ( التوبة : 64 ) أي ذلك الذي تحذرونه ، فإن الله يخرجه إلى الوجود ، فإن الشيء إذا حصل بعد عدمه ، فكان فاعله أخرجه من العدم إلى الوجود . * ( وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَباِللَّهِ وَءَايَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ