كما يخوض الركب لقطع الطريق ، فأجابهم الرسول بقوله : * ( أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤون ) * وفيه مسائل :
المسألة الأولى : فرق بين قولك أتستهزئ بالله ، وبين قولك أبالله تستهزئ ، فالأول يقتضي الإنكار على عمل الاستهزاء ، والثاني : يقتضي الإنكار على إيقاع الاستهزاء في الله ، كأنه يقول هب أنك قد تقدم على الاستهزاء ولكن كيف أقدمت على إيقاع الاستهزاء في الله ونظيره قوله تعالى : * ( لا فيها غول ) * ( الصافات : 47 ) والمقصود : ليس نفي الغول ، بل نفي أن يكون خمر الجنة محلاً للغول .
المسألة الثانية : أنه تعالى حكى عنهم أنهم يستهزئون بالله وآياته ورسوله ، ومعلوم أن الاستهزاء بالله محال . فلا بد له من تأويل وفيه وجوه : الأول : المراد بالاستهزاء بالله هو الاستهزاء بتكاليف الله تعالى . الثاني : يحتمل أن يكون المراد الاستهزاء بذكر الله ، فإن أسماء الله قد يستهزئ الكافر بها كما أن المؤمن يعظمها ويمجدها . قال تعالى : * ( سبح اسم ربك الأعلى ) * ( الأعلى : 1 ) فأمر المؤمن بتعظيم اسم الله . وقال : * ( ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه ) * ( الأعراف : 180 ) فلا يمتنع أن يقال : * ( أبالله ) * ويراد : أبذكر الله . الثالث : لعل المنافقين لما قالوا : كيف يقدر محمد على أخذ حصون الشأم وقصورها . قال بعض المسلمين : الله يعينه على ذلك وينصره عليهم ، ثم إن بعض الجهال من المنافقين ذكر كلاماً مشعراً بالقدح في قدرة الله كما هو عادات الجهال والملحدة ، فكان المراد ذلك .
وأما قوله : * ( وآياته ) * فالمراد بها القرآن ، وسائر ما يدل على الدين . وقوله : * ( ورسوله ) * معلوم ، وذلك يدل على أن القوم إنما ذكروا ما ذكروه على سبيل الاستهزاء .
ثم قال تعالى : * ( لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم ) * وفيه مسائل :
المسألة الأولى : نقل الواحدي عن أهل اللغة في لفظ الاعتذار قولين :
القول الأول : أنه عبارة عن محو الذنب من قولهم : اعتذرت المنازل إذا درست . يقال : مررت بمنزل معتذر ، والاعتذار هو الدرس وأخذ الاعتذار منه . لأن المعتذر يحاول إزالة أثر ذنبه .
والقول الثاني : حكى ابن الأعرابي أن الاعتذار هو القطع ، ومنه يقال للقلفة عذرة لأنها تقطع ، وعذرة الجارية سميت عذرة لأنها تعذر أي تقطع ، ويقال اعتذرت المياه إذا انقطعت ، فالعذر لما كان سبباً لقطع اللوم سمي عذراً ، قال الواحدي : والقولان متقاربان ، لأن محو أثر الذنب وقطع اللوم يتقاربان .
المسألة الثانية : أنه تعالى بين أن ذلك الاستهزاء كان كفراً ، والعقل يقتضي أن الإقدام على
تفسير الرازي — صفحة 123
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص١٢٣