تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 91

مساهمون:

ص٩١
فقلت في كل مصدر تفعال بفتح التاء ، مثل تسيار وترسال . وقلت في كل اسم تفعال بكسر التاء ، مثل تمثال وتقصار ، ومعنى الآية : أنه كلما وقعت أبصار أصحاب الأعراف على أهل النار تضرعوا إلى الله تعالى في أن لا يجعلهم من زمرتهم . والمقصود من جميع هذه الآيات التخويف ، حتى يقدم المرء على النظر والاستدلال ، ولا يرضى بالتقليد ليفوز بالدين الحق ، فيصل بسببه إلى الثواب المذكور في هذه الآيات ، ويتخلص عن العقاب المذكور فيها . * ( وَنَادَى أَصْحَابُ الاَْعْرَافِ رِجَالاً يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُواْ مَآ أَغْنَى عَنكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ * أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لاَ يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ ) * . اعلم أنه تعالى لما بين بقوله : * ( وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار قالوا ربنا ) * ( الأعراف : 47 ) أتبعه أيضاً بأن أصحاب الأعراف ينادون رجالاً من أهل النار ، واستغنى عن ذكر أهل النار لأجل أن الكلام المذكور لا يليق إلا بهم ، وهو قولهم : * ( ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون ) * وذلك لا يليق إلا بمن يبكت ويوبخ ، ولا يليق أيضاً إلا بأكابرهم ، والمراد بالجمع ، إما جمع المال ، وإما الاجتماع والكثرة * ( وما كنتم تستكثرون ) * والمراد : استكبارهم عن قبول الحق ، واستكبارهم على الناس المحقين . وقرئ * ( تستكثرون ) * من الكثرة ، وهذا كالدلالة على شماتة أصحاب الأعراف بوقوع أولئك المخاطبين في العقاب ، وعلى تبكيت عظيم يحصل لأولئك المخاطبين بسبب هذا الكلام ، ثم زادوا على هذا التبكيت ، وهو قولهم : * ( أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة ) * فأشاروا إلى فريق من أهل الجنة ، كانوا يستضعفونهم ويستقلون أحوالهم ، وربما هزؤوا بهم ، وأنفوا من مشاركتهم في دينهم ، فإذا رأى من كان يدعي التقدم حصول المنزلة العالية ، لمن كان مستضعفاً عنده قلق لذلك ، وعظمت حسرته وندامته على ما كان منه في نفسه . وأما قوله تعالى : * ( ادخلوا الجنة ) * فقد اختلفوا فيه . فقيل هم أصحاب الأعراف ، والله تعالى يقول لهم ذلك أو بعض الملائكة الذين يأمرهم الله تعالى بهذا القول . وقيل : بل يقول بعضهم لبعض .
تفسير الرازي — صفحة 91 | فخر الدين الرازي