ولا النار ، ثم إنهم يدخلون الجنة بمحض التفضل لا بسبب الاستحقاق . وثانيهما : إن كونهم من أصحاب الأعراف يدل على أنه تعالى ميزهم من جميع أهل القيامة بأن أجلسهم على الأماكن العالية المشرفة على أهل الجنة ، وأهل النار ، وذلك تشريف عظيم ، ومثل هذا التشريف لا يليق إلا بالإشراف ولا شك أن الذين تساوت حسناتهم وسيئاتهم فدرجتهم قاصرة ، فلا يليق بهم ذلك التشريف .
والجواب عن الأول : أنه يحتمل أن يكون قوله : * ( ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها ) * خطاب مع قوم معينين ، فلم يلزم أن يكون لكل أهل الجنة كذلك . والجواب عن الثاني : أنا لا نسلم أنه تعالى أجلسهم على تلك المواضع على سبيل التخصيص بمزيد التشريف والإكرام ، وإنما أجلسهم عليها لأنها كالمرتبة المتوسطة بين الجنة والنار ، وهل النزاع إلا في ذلك ؟ فثبت أن الحجة التي عولوا عليها في إبطال هذا الوجه ضعيفة .
الوجه الثاني : من الوجوه المذكورة في تفسير أصحاب الأعراف . قالوا : المراد من أصحاب الأعراف أقوام خرجوا إلى الغزو بغير إذن آبائهم فاستشهدوا فحبسوا بين الجنة والنار .
واعلم أن هذا القول داخل في القول الأول : لأن هؤلاء ، إنما صاروا من أصحاب الأعراف لأن معصيتهم ساوت طاعتهم بإجهاد ، فهذا أحد الأمور الداخلة تحت الوجه الأول . وبتقدير أن يصح ذلك الوجه . فلا معنى لتخصيص هذه الصورة وقصر لفظ الآية عليها .
والوجه الثالث : قال عبد الله بن الحرث : إنهم مساكين أهل الجنة .
والوجه الرابع : قال قوم أنهم الفساق من أهل الصلاة يعفو الله عنهم ويسكنهم في الأعراف فهذا كله شرح قول من يقول : الأعراف عبارة عن الأمكنة العالية على السور المضروب بين الجنة وبين النار . وأما الذين يقولون الأعراف عبارة عن الرجال الذين يعرفون أهل الجنة وأهل النار ؛ فهذا القول أيضاً غير بعيد إلا أن هؤلاء الأقوام لا بد لهم من مكان عال يشرفون منه على أهل الجنة ، وأهل النار . وحينئذ يعود هذا القول إلى القول الأول ، فهذه تفاصيل أقوال الناس في هذا الباب . والله أعلم ، ثم إنه تعالى أخبر أن أصحاب الأعراف يعرفون كلا من أهل الجنة وأهل النار بسيماهم واختلفوا في المراد بقوله : * ( بسيماهم ) * على وجوه .
فالقول الأول : وهو قول ابن عباس : أن سيما الرجل المسلم من أهل الجنة بياض وجهه ، كما قال تعالى : * ( يوم تبيض وجوه وتسود وجوه ) * ( آل عمران : 106 ) وكون وجوههم مسفرة ضاحكة مستبشرة ، وكون كل واحد منهم أغر محجلاً من آثار الوضوء ، وعلامة الكفار سواد وجوههم ، وكون وجوههم عليها غبرة ترهقها قترة ، وكون عيونهم زرقاً .
تفسير الرازي — صفحة 89
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٨٩