تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 93

مساهمون:

ص٩٣
يقال في المثل : الغريق يتعلق بالزبد ، وإن علم أنه لا يغيثه . وقوله : * ( أو مما رزقكم الله ) * قيل إنه الثمار ، وقيل إنه الطعام ، وهذا الكلام يدل على حصول العطش الشديد ، والجوع الشديد لهم ، عن أبي الدرداء أن الله تعالى يرسل على أهل النار الجوع حتى يزداد عذابهم ، فيستغيثون فيغاثون بالضريع لا يسمن ولا يغني من جوع . ثم يستغيثون فيغاثون بطعام ذي غصة ، ثم يذكرون الشراب ويستغيثون فيدفع إليهم الحميم والصديد بكلاليب الحديد فيقطع ما في بطونهم ، ويستغيثون إلى أهل الجنة كما في هذه الآية فيقول أهل الجنة : إن الله حرمهما على الكافرين ، ويقولون لمالك : * ( ليقض علينا ربك ) * ( الزخرف : 77 ) فيجيبهم على ما قيل بعد ألف عام ، ويقولون : * ( ربنا أخرجنا منها ) * ( المؤمنون : 107 ) فيجيبهم * ( اخسؤا فيها ولا تكلمون ) * ( المؤمنون : 108 ) فعند ذلك ييأسون من كل خير ، ويأخذون في الزفير والشهيق . وعن ابن عباس رضي الله عنهما : أنه ذكر في صفة أهل الجنة أنهم يرون الله عز وجل كل جمعة ، ولمنزل كل واحد منهم ألف باب ، فإذا رأوا الله تعالى ، دخل من كل باب ملك معه الهدايا الشريفة وقال : إن نخل الجنة خشبها الزمرد ، وترابها الذهب الأحمر ، وسعفها حلل وكسوة لأهل الجنة ، وثمرها أمثال القلال أو الدلاء ، أشد بياضاً من الفضة وألين من الزبد وأحلى من العسل ، لا عجم له ، فهذا صفة أهل الجنة ، وصفة أهل النار ، ورأيت في بعض الكتب : أن قارئاً قرأ قوله تعالى حكاية عن الكفار : * ( أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله ) * في تذكرة الأستاذ أبي علي الدقاق ، فقال الأستاذ : هؤلاء كانت رغبتهم وشهوتهم في الدنيا في الشرب والأكل ، وفي الآخرة بقوا على هذه الحالة ، وذلك يدل على أن الرجل يموت على ما عاش عليه ، ويحشر على ما مات عليه ، ثم بين تعالى أن هؤلاء الكفار لما طلبوا الماء والطعام من أهل الجنة قال أهل الجنة * ( إن الله حرمهما على الكافرين ) * ولا شك أن ذلك يفيد الخيبة التامة ، ثم إنه تعالى وصف هؤلاء الكفار بأنهم اتخذوا دينهم لهواً ولعباً ، وفيه وجهان : الوجه الأول : أن الذي اعتقدوا فيه أنه دينهم ، تلاعبوا به ، وما كانوا فيه مجدين . والوجه الثاني : أنهم اتخذوا اللهو واللعب ديناً لأنفسهم ، قال ابن عباس رضي الله عنهما يريد المستهزئين المقتسمين . ثم قال : * ( وغرتهم الحياة الدنيا ) * وهو مجاز لأن الحياة الدنيا لا تغر في الحقيقة بل المراد أنه حصل الغرور عند هذه الحياة الدنيا ، لأن الإنسان يطمع في طول العمر وحسن العيش وكثرة المال ، وقوة الجاه فلشدة رغبته في هذه الأشياء يصير محجوباً عن طلب الدين . غرقاً في طلب الدنيا ، ثم لما وصف الله تعالى أولئك الكفار بهذه الصفات قال : * ( فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا ) * وفي تفسير هذا النسيان قولان : القول الأول : أن النسيان هو الترك . والمعنى : نتركهم في عذابهم كما تركوا العمل للقاء يومهم هذا ، وهذا قول الحسن ومجاهد والسدي والأكثرين .
تفسير الرازي — صفحة 93 | فخر الدين الرازي