تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 88

مساهمون:

ص٨٨
اختصاص بهذه المعرفة ، لأن كل أحد من أهل الجنة ومن أهل النار يعرفون هذه الأحوال من أهل الجنة ومن أهل النار ، ولما بطل هذا الوجه ثبت أن المراد بقوله : * ( يعرفون كلاً بسيماهم ) * هو أنهم كانوا يعرفون في الدنيا أهل الخير والإيمان والصلاح ، وأهل الشر والكفر والفساد . وهم كانوا في الدنيا شهداء الله على أهل الإيمان والطاعة وعلى أهل الكفر والمعصية ، فهو تعالى يجلسهم على الأعراف ، وهي الأمكنة العالية الرفيعة ليكونوا مطلعين على الكل يشهدون على كل أحد بما يليق به ، ويعرفون أن أهل الثواب وصلوا إلى الدرجات ، وأهل العقاب إلى الدركات . فإن قيل : هذه الوجوه الثلاثة باطلة ، لأنه تعالى قال في صفة أصحاب الأعراف أنهم * ( لم يدخلوها وهم يطمعون ) * أي لم يدخلوا الجنة وهم يطمعون في دخولها ، وهذا الوصف لا يليق بالأنبياء ، والملائكة والشهداء . أجاب الذاهبون إلى هذا الوجه بأن قالوا : لا يبعد أن يقال : إنه تعالى بين من صفات أصحاب الأعراف أن دخولهم الجنة يتأخر ، والسبب فيه أنه تعالى ميزهم عن أهل الجنة وأهل النار ، وأجلسهم على تلك الشرفات العالية والأمكنة المرتفعة ليشاهدوا أحوال أهل الجنة وأحوال أهل النار فيلحقهم السرور العظيم بمشاهدة تلك الأحوال ، ثم إذا استقر أهل الجنة في الجنة ، وأهل النار في النار ، فحينئذ ينقلهم الله تعالى إلى أمكنتهم العالية في الجنة ، فثبت أن كونهم غير داخلين في الجنة لا يمنع من كمال شرفهم وعلو درجتهم . وأما قوله : * ( وهم يطمعون ) * فالمراد من هذا الطمع اليقين . ألا ترى أنه تعالى قال حكاية عن إبراهيم عليه السلام : * ( والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين ) * ( الشعراء : 82 ) وذلك الطمع كان طمع يقين ، فكذا ههنا . فهذا تقرير قول من يقول أن أصحاب الأعراف هم أشراف أهل الجنة . والقول الثاني : وهو قول من يقول أصحاب الأعراف أقوام يكونون في الدرجة النازلة من أهل الثواب والقائلون بهذا القول ذكروا وجوهاً : أحدها : أنهم قوم تساوت حسناتهم وسيئاتهم فلا جرم ما كانوا من أهل الجنة ولا من أهل النار فأوقفهم الله تعالى على هذه الأعراف لكونها درجة متوسطة بين الجنة وبين النار . ثم يدخلهم الله تعالى الجنة بفضله ورحمته وهم آخر قوم يدخلون الجنة ، وهذا قول حذيفة وابن مسعود رضي الله عنهما واختيار الفراء ، وطعن الجبائي والقاضي في هذا القول . واحتجوا على فسادّه بوجهين : الأول : أن قالوا أن قوله تعالى : * ( ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون ) * ( الأعراف : 43 ) يدل على أن كل من دخل الجنة فإنه لا بد وأن يكون مستحقاً لدخولها ، وذلك يمنع من القول بوجود أقوام لا يستحقون الجنة
تفسير الرازي — صفحة 88 | فخر الدين الرازي