وأن الجحيم في أسفل السافلين .
قلنا : بعد إحداهما عن الأخرى لا يمنع أن يحصل بينهما سور وحجاب ، وأما الأعراف فهو جمع عرف وهو كل مكان عال مرتفع ، ومنه عرف الفرس وعرف الديك ، وكل مرتفع من الأرض عرف ، وذلك لأنه بسبب ارتفاعه يصير أعرف مما انخفض منه .
إذا عرفت هذا فنقول : في تفسير لفظ الأعراف قولان :
القول الأول : وهو الذي عليه الأكثرون أن المراد من الأعراف أعالي ذلك السور المضروب بين الجنة والنار ، وهذا قول ابن عباس . وروي عنه أيضاً أنه قال : الأعراف شرف الصراط .
والقول الثاني : وهو قول الحسن وقول الزجاج : في أحد قوليه أن قوله : * ( وعلى الأعراف ) * أي وعلى معرفة أهل الجنة والنار رجال يعرفون كل أحد من أهل الجنة والنار بسيماهم . فقيل للحسن : هم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم ؟ فضرب على فخذيه ثم قال : هم قوم جعلهم الله تعالى على تعرف أهل الجنة وأهل النار يميزون البعض من البعض ، والله لا أدري لعل بعضهم الآن معنا ! أما القائلون بالقول الأول فقد اختلفوا في أن الذين هم على الأعراف من هم ؟ ولقد كثرت الأقوال فيهم وهي محصورة في قولين : أحدهما : أن يقال إنهم الأشراف من أهل الطاعة وأهل الثواب ، الثاني : أن يقال أنهم أقوام يكونون في الدرجة السافلة من أهل الثواب أما على التقدير الأول ففيه وجوه : أحدها : قال أبو مجلز . هم ملائكة يعرفون أهل الجنة وأهل النار ، فقيل له : يقول الله تعالى : * ( وعلى الأعراف رجال ) * وتزعم أنهم ملائكة ؟ فقال الملائكة ذكور لا إناث .
ولقائل أن يقول : الوصف بالرجولية إنما يحسن في الموضع الذي يحصل في مقابلة الرجل من يكون أنثى ولما امتنع كون الملك أنثى امتنع وصفهم بالرجولية . وثانيها : قالوا إنهم الأنبياء عليهم السلام أجلسهم الله تعالى على أعالي ذلك السور تمييزاً لهم عن سائر أهل القيامة ، وإظهاراً لشرفهم ، وعلو مرتبتهم وأجلسهم على ذلك المكان العالي ليكونوا مشرفين على أهل الجنة ، وأهل النار مطلعين على أحوالهم ومقادير ثوابهم وعقابهم . وثالثها : قالوا : إنهم هم الشهداء ، لأنه تعالى وصف أصحاب الأعراف بأنهم يعرفون كل واحد من أهل الجنة وأهل النار ، ثم قال قوم : إنهم يعرفون أهل الجنة بكون وجوههم ضاحكة مستبشرة ، وأهل النار بسواد وجوههم وزرقة عيونهم ، وهذا الوجه باطل ، لأنه تعالى خص أهل الأعراف بأنهم يعرفون كل واحد من أهل الجنة وأهل النار بسيماهم ، ولو كان المراد ما ذكروه لما بقي لأهل الأعراف
تفسير الرازي — صفحة 87
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٨٧