يقال : كما بدأكم بالإيمان ، والكفر ، والسعادة ، والشقاوة ، فكذلك يكون الحال عليه يوم القيامة . واعلم أنه تعالى أمر في الآية أولاً بكلمة " القسط " وهي كلمة لا إله إلا الله ، ثم أمر بالصلاة ثانياً ، ثم بين أن الفائدة في الإتيان بهذه الأعمال ، إنما تظهر في الدار الآخرة ، ونظيره قوله عالي في " طه " لموسى عليه السلام : * ( إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري * إن الساعة آتية أكاد أخفيها ) * ( طه : 14 ، 15 ) .
ثم قال تعالى : * ( فريقاً هدى وفريقاً حق عليهم الضلالة ) * وفيه بحثان :
البحث الأول : احتج أصحابنا بهذه الآية على أن الهدى والضلال من الله تعالى . قالت المعتزلة : المراد فريقاً هدى إلى الجنة والثواب ، وفريقاً حق عليهم الضلالة ، أي العذاب والصرف عن طريق الثواب . قال القاضي : لأن هذا هو الذي يحق عليهم دون غيرهم ، إذ العبد لا يستحق ، لأن يضل عن الدين ، إذ لو استحق ذلك لجاز أن يأمر أنبياءه بإضلالهم عن الدين ، كما أمرهم بإقامة الحدود المستحقة ، وفي ذلك زوال الثقة بالنبوات .
واعلم أن هذا الجواب ضعيف من وجهين : الأول : أن قوله : * ( فريقاً هدى ) * إشارة إلى الماضي وعلى التأويل الذي يذكرونه يصير المعنى إلى أنه تعالى سيهديهم في المستقبل ، ولو كان المراد أنه تعالى حكم في الماضي بأنه سيهديهم إلى الجنة ، كان هذا عدولاً عن الظاهر من غير حاجة ، لأنا بينا بالدلائل العقلية القاطعة أن الهدى والضلال ليسا إلا من الله تعالى . والثاني : نقول هب أن المراد من الهداية والضلال حكم الله تعالى بذلك ، إلا أنه لما حصل هذا الحكم امتنع من العبد صدور غيره ، وإلا لزم انقلاب ذلك الحكم كذباً ، والكذب على الله محال ، والمفضي إلى المحال محال ، فكان صدور غير ذلك الفعل من العبد محالاً ، وذلك يوجب فساد مذهب المعتزلة من هذا الوجه . والله أعلم .
البحث الثاني : انتصاب قوله : * ( وفريقاً حق عليهم الضلالة ) * بفعل يفسره ما بعده ، كأنه قيل : وخذل فريقاً حق عليهم الضلالة ، ثم بين تعالى أن الذي لأجله حقت على هذه الفرقة الضلالة ، هو أنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله فقبلوا ما دعوهم إليه ، ولم يتأملوا في التمييز بين الحق والباطل .
فإن قيل : كيف يستقيم هذا التفصيل مع قولكم ، بأن الهدى والضلال إنما يحصل بخلق الله تعالى ابتداء . فنقول : عندنا مجموع القدرة ، والداعي يوجب الفعل ، والداعية التي دعتهم إلى ذلك الفعل ، هي : أنهم اتخذوا الشيطان أولياء من دون الله .
ثم قال تعالى : * ( ويحسبون أنهم مهتدون ) * قال ابن عباس : يريد ما بين لهم عمرو بن لحي ، وهذا بعيد
تفسير الرازي — صفحة 59
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٥٩