تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 61

مساهمون:

ص٦١
يعني الثياب ، وأيضاً فالزينة لا تحصل إلا بالستر التام للعورات ، ولذلك صار التزيين بأجود الثياب في الجمع والأعياد سنة ، وأيضاً أنه تعالى قال في الآية المتقدمة : * ( قد أنزلنا عليكم لباساً يواري سوآتكم وريشاً ) * فبين أن اللباس الذي يواري السوأة من قبيل الرياش والزينة ، ثم إنه تعالى أمر بأخذ الزينة في هذه الآية ، فوجب أن يكون المراد من هذه الزينة هو الذي تقدم ذكره في تلك الآية فوجب حمل هذه الزينة على ستر العورة ، وأيضاً فقد أجمع المفسرون على أن المراد بالزينة ههنا لبس الثوب الذي يستر العورة ، وأيضاً فقوله : * ( خذوا زينتكم ) * أمر . والأمر للوجوب ، فثبت أن أخذ الزينة واجب ، وكل ما سوى اللبس فغير واجب ، فوجب حمل الزينة على اللبس عملاً بالنص بقدر الإمكان . إذا عرفت هذا فنقول : قوله : * ( خذوا زينتكم ) * أمر ، وظاهر الأمر للوجوب ، فهذا يدل على وجوب ستر العورة عنه إقامة كل صلاة ، وههنا سؤالان : السؤال الأول : إنه تعالى عطف عليه قوله : * ( وكلوا واشربوا ) * ولا شك أن ذلك أمر إباحة فوجب أن يكون قوله : * ( خذوا زينتكم ) * أمر إباحة أيضاً . وجوابه : أنه لا يلزم من ترك الظاهر في المعطوف تركه في المعطوف عليه ، وأيضاً فالأكل والشرب قد يكونان واجبين أيضاً في الحكم . السؤال الثاني : أن هذه الآية نزلت في المنع من الطواف حال العري . والجواب : أنا بينا في أصول الفقه أن العبرة بعموم اللفظ ، لا بخصوص السبب . إذا عرفت هذا فنقول : قوله : * ( خذوا زينتكم عند كل مسجد ) * يقتضي وجوب اللبس التام عند كل صلاة لأن اللبس التام هو الزينة . ترك العمل به في القدر الذي لا يجب ستره من الأعضاء ، إجماعاً ، فبقي الباقي داخلاً تحت اللفظ ، وإذا ثبت أن ستر العورة واجب في الصلاة ، وجب أن تفسد الصلاة عند تركه ، لأن تركه يوجب ترك المأمور به ، وترك المأمور به معصية ، والمعصية توجب العقاب على ما شرحنا هذه الطريقة في الأصول . المسألة الثالثة : تمسك أصحاب أبي حنيفة بهذه الآية في مسألة إزالة النجاسة بماء الورد . فقالوا : أمرنا بالصلاة في قوله : * ( أقيموا الصلاة ) * ( يونس : 87 ) والصلاة عبارة عن الدعاء ، وقد أتى بها ، والإتيان بالمأمور به يوجب الخروج عن العهدة ، فمقتضى هذا الدليل أن لا تتوقف صحة الصلاة على ستر العورة ، إلا أنا أوجبنا هذا المعنى عملاً بقوله تعالى : * ( خذوا زينتكم عند كل مسجد ) * ولبس الثوب المغسول بماء الورد على أقصى وجوه النظافة أخذ الزينة ، فوجب أن يكون كافياً
تفسير الرازي — صفحة 61 | فخر الدين الرازي