أحدهما : أنا وجدنا عليها آباءنا . والثاني : أن الله أمرنا بها .
أما الحجة الأولى : فما ذكر الله عنها جواباً ، لأنها إشارة إلى محض التقليد ، وقد تقرر في عقل كل أحد أنه طريقة فاسدة ، لأن التقليد حاصل في الأديان المتناقضة ، فلو كان التقليد طريقاً حقاً للزم الحكم بكون كل واحد من المتناقضين حقاً ومعلوم أنه باطل ، ولما كان فساد هذا الطريق ظاهراً جلياً لكل أحد لم يذكر الله تعالى الجواب عنه .
وأما الحجة الثانية : وهي قولهم : * ( والله أمرنا بها ) * فقد أجاب عنه بقوله تعالى : * ( قل إن الله لا يأمر بالفحشاء ) * والمعنى أنه ثبت على لسان الأنبياء والرسل كون هذه الأفعال منكرة قبيحة ، فكيف يمكن القول بأن الله تعالى أمرنا بها ؟ وأقول للمعتزلة أن يحتجوا بهذه الآية على أن الشيء إنما يقبح لوجه عائد إليه ، ثم إنه تعالى نهى عنه لكونه مشتملاً على ذلك الوجه ، لأن قوله تعالى : * ( إن الله لا يأمر بالفحشاء ) * إشارة إلى أنه لما كان ذلك موصوفاً في نفسه بكونه من الفحشاء امتنع أن يأمر الله به ، وهذا يقتضي أن يكون كونه في نفسه من الفحشاء مغايراً لتعلق الأمر والنهب به ، وذلك يفيد المطلوب .
وجوابه : يحتمل أنه لما ثبت بالاستقراء أنه تعالى لا يأمر إلا بما يكون مصلحة للعباد ، ولا ينهي إلا عما يكون مفسده لهم ، فقد صح هذا التعليل لهذا المعنى . والله أعلم .
ثم قال تعالى : * ( أتقولون على الله ما لا تعلمون ) * وفيه بحثان :
البحث الأول : المراد منه أن يقال : إنكم تقولون إن الله أمركم بهذه الأفعال المخصوصة فعلمكم بأن الله أمركم بها حصل لأنكم سمعتم كلام الله تعالى ابتداء من غير واسطة ، أو عرفتم ذلك بطريق الوحي إلى الأنبياء ؟
أما الأول : فمعلوم الفساد بالضرورة .
وأما الثاني : فباطل على قولكم ، لأنكم تنكرون نبوة الأنبياء على الإطلاق ، لأن هذه المناظرة وقعت مع كفار قريش ، وهم كانوا ينكرون أصل النبوة ، وإذا كان الأمر كذلك ، فلا طريق لهم إلى تحصيل العلم بأحكام الله تعالى ، فكان قولهم أن الله أمرنا بها قولاً على الله تعالى بما لا يكون معلوماً . وإنه باطل .
البحث الثاني : نفاة القياس قالوا : الحكم المثبت بالقياس مظنون وغير معلوم ، وما لا يكون معلوماً لم يجز القول به لقوله تعالى في معرض الذم والسخرية : * ( أتقولون على الله ما لا تعلمون ) * وجواب مثبتي القياس عن أمثال هذه الدلالة قد ذكرناه مراراً . والله أعلم .
تفسير الرازي — صفحة 56
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٥٦