تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 58

مساهمون:

ص٥٨
تكون باستقبال القبلة ، وقد تكون بالإخلاص في تلك العبادة ، والأقرب هو الأول ، لأن الإخلاص مذكور من بعد ، ولو حملناه على معنى الإخلاص ، صار كأنه قال : وأخلصوا عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين ، وذلك لا يستقيم . فإن قيل : يستقيم ذلك ، إذا علقت الإخلاص بالدعاء فقط . قلنا : لما أمكن رجوعه إليهما جميعاً ، لم يجز قصره على أحدهما ، خصوصاً مع قوله : * ( مخلصين له الدين ) * فإنه يعم كل ما يسمى ديناً . إذا ثبت هذا فنقول : قوله : * ( عند كل مسجد ) * اختلفوا في أن المراد منه زمان الصلاة أو مكانه والأقرب هو الأول ، لأنه الموضع الذي يمكن فيه إقامة الوجه للقبلة ، فكأنه تعالى بين لنا أن لا نعتبر الأماكن ، بل نعتبر القبلة ، فكان المعنى : وجهوا وجوهكم حيثما كنتم في الصلاة إلى الكعبة وقال ابن عباس : المراد إذا حضرت الصلاة وأنتم عند مسجد فصلوا فيه ، ولا يقولن أحدكم ، لا أصلي إلا في مسجد قومي . ولقائل أن يقول : حمل لفظ الآية على هذا بعيد ، لأن لفظ الآية يدل على وجوب إقامة الوجه في كل مسجد ، ولا يدل على أنه لا يجوز له العدول من مسجد إلى مسجد . وأما قوله : * ( وادعوه مخلصين له الدين ) * فاعلم أنه تعالى لما أمر في الآية الأولى بالتوجه إلى القبلة ، أمر بعده بالدعاء ، والأظهر عندي أن المراد به أعمال الصلاة ، وسماها دعاء ، لأن الصلاة في أصل اللغة عبارة عن الدعاء ، ولأن أشرف أجزاء الصلاة هو الدعاء والذكر ، وبين أنه يجب أن يؤتى بذلك الدعاء مع الإخلاص ، ونظيره قوله تعالى : * ( وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين ) * ( البينة : 5 ) ثم قال تعالى : * ( كما بدأكم تعودون ) * وفيه قولان : القول الأول : قال ابن عباس : * ( كما بدأكم ) * خلقكم مؤمناً أو كافراً * ( تعودون ) * فبعث المؤمن مؤمناً ، والكافر كافراً ، فإن من خلقه الله في أول الأمر للشقاوة ، أعمله بعمل أهل الشقاوة ، وكانت عاقبته الشقاوة ، وان خلقه للسعادة أعمله بعمل أهل السعادة ، وكانت عاقبته السعادة . والقول الثاني : قال الحسن ومجاهد : * ( كما بدأكم ) * خلقكم في الدنيا ولم تكونوا شيئاً ، كذلك تعودون أحياء ، فالقائلون بالقول الأول : احتجوا على صحته بأنه تعالى ذكر عقيبه قوله : * ( فريقاً هدى وفريقاً حق عليهم الضلالة ) * وهذا يجري مجرى التفسير لقوله : * ( كما بدأكم تعودون ) * وذلك يوجب ما قلناه . قال القاضي : هذا القول باطل ، لأن أحداً لا يقول إنه تعالى بدأنا مؤمنين أو كافرين ، لأنه لا بد في الإيمان والكفر أن يكون طارئاً وهذا السؤال ضعيف ، لأن جوابه أن
تفسير الرازي — صفحة 58 | فخر الدين الرازي