تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 62

مساهمون:

ص٦٢
في صحة الصلاة . وجوابنا : أن الألف واللام في قوله : * ( أقيموا الصلاة ) * ينصرفان إلى المعهود السابق ، وذلك هو عمل الرسول صلى الله عليه وسلم ، لم قلتم أن الرسول عليه الصلاة والسلام صلى في الثوب المغسول بماء الورد ؟ والله أعلم . أما قوله تعالى : * ( وكلوا واشربوا ) * فاعلم أنا ذكرنا أن أهل الجاهلية كانوا لا يأكلون من الطعام في أيام حجهم إلا القليل ، وكانوا لا يأكلون الدسم ، يعظمون بذلك حجهم ، فأنزل الله تعالى هذه الآية لبيان فساد تلك الطريقة . والقول الثاني : أنهم كانوا يقولون أن الله تعالى حرم عليهم شيئاً مما في بطون الأنعام فحرم عليهم البحيرة والسائبة ، فأنزل الله تعالى هذه الآية بياناً لفساد قولهم في هذا الباب . واعلم أن قوله : * ( وكلوا واشربوا ) * مطلق يتناول الأوقات والأحوال ، ويتناول جميع المطعومات والمشروبات ، فوجب أن يكون الأصل فيها هو الحل في كل الأوقات ، وفي كل المطعومات والمشروبات إلا ما خصه الدليل المنفصل ، والعقل أيضاً مؤكد له ، لأن الأصل في المنافع الحل والإباحة . وأما قوله تعالى : * ( ولا تسرفوا ) * ففيه قولان : القول الأول : أن يأكل ويشرب بحيث لا يتعدى إلى الحرام ، ولا يكثر الإنفاق المستقبح ولا يتناول مقداراً كثيراً يضره ولا يحتاج إليه . والقول الثاني : وهو قول أبي بكر الأصم : أن المراد من الإسراف ، قولهم بتحريم البحيرة والسائبة ، فإنهم أخرجوها عن ملكهم ، وتركوا الانتفاع بها ، وأيضاً أنهم حرموا على أنفسهم في وقت الحج أيضاً أشياء أحلها الله تعالى لهم ، وذلك إسراف . واعلم أن حمل لفظ الإسراف على الاستكثار ، مما لا ينبغي أولى من حمله على المنع من لا يجوز وينبغي . ثم قال تعالى : * ( إنه لا يحب المسرفين ) * وهذا نهاية التهديد ، لأن كل ما لا يحبه الله تعالى بقي محروماً عن الثواب ، لأن معنى محبة الله تعالى العبد إيصاله الثواب إليه ، فعدم هذه المحبة عبارة عن عدم حصول الثواب ، ومتى لم يحصل الثواب ، فقد حصل العقاب ، لانعقاد الإجماع على أنه ليس في الوجود مكلف ، لا يثاب ولا يعاقب . ثم قال تعالى : * ( قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق ) * وفيه مسائل :
تفسير الرازي — صفحة 62 | فخر الدين الرازي